رحمة الله أنه لم يجعل أحد العباد يحكم على أحد إلا لحكمة؛ لأننا نقول في الدعاء:"ربنا لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك و لا يرحمنا"، ومن رحمته أنه جعل أمر الإنسان بيده فيعمل الإنسان ويتقي الله ولا يطيع فيه أحداً، والله يضمن له النجاة. ومن رحمته أنه يعلم ما تخفي الصدور ويحاسبنا على ذلك، ومن رحمته أيضاً أنه دلنا على ما يرضيه ويكفر عنا ذنوبنا، مثل الصوم والصلاة والإنفاق على الفقراء ووعدنا بالخلف، والصدقة أمان من الأمراض والفقر، والجاهلون من الناس يقولون: ماذا سنقول غير الحمد لله؟ وكأنه يقولها مناً على الله وتفضلاً عليه، لكن المتأمل في حال الناس يرى أن من الواجب على الإنسان حمد الله على الحقيقة من أعماق قلبه، فصاحب المصيبة لا يدري أنه يستحق بذنوبه ما هو أشد منها ثم خففها الله برحمته، فلذلك نحمد الله.
ومن رحمة الله أنه يثيبنا على صبرنا على المصائب برغم استحقاقنا لها ويعوضنا خيراً بعدها، ولذلك يجب على أصحاب المصائب: الاستغفار، ومساعدة المحتاج، والدعاء حتى يكشف الله الهم، ومن رحمته أيضاً أنه تعالى أمهلنا لمراجعة النفس وأعطانا القدرة على تغيير النفس للأفضل، فجعل لنا إرادة وعقلاً ورزقنا الحواس لنتعرفه ونتقرب منه ونستخدمها في طاعته ومنفعتنا.
ومن رحمته أيضاً أنه جعل الملك له يوم القيامة ولم يجعله لإنسان، فربما يظلم الوالد ولده ويظن فيه ما ليس فيه؛ أما الله فهو يعلم السر وأخفى مما يطمئن العباد حتى لو أذنبوا لأن الله هو خالقهم ويعلم مواطن ضعفهم، وليس معنى هذا أن يعصي العبد الله متكلاً على عفوه، ولكن المسلم المؤمن لا يعصي الله متعمداً؛ إنما ناسياً أو جاهلاً، وإذا ذَكر الله أو ذُكِّر به تاب وأناب واستغفر وكفر عن ذنبه بكل الوسائل من صيام وصدقة وبر، ويأمل في عفو الله لعلمه به، أما الإنسان إذا حكم فهو يحكم بهواه ولمصلحته.