ثم تأتي الآية بعد ذلك"إياك نعبد": مترتبة على ما سبق، فمادام الله سبحانه هو الرحمن الرحيم وهو رب العالمين ومالك يوم الدين، إذن فاعبده وحده واستعن به في كل أمورك، ولا تعبد سواه ولا تتوكل على غيره، وربما تسأل: وكيف أستعين بالله؟ فتاتي الإجابة بعدها مباشرة بالدعاء"اهدنا الصراط المستقيم"، وهى إجابة عملية كما علم الله آدم الكلام ثم حذره من الشجرة ثم علمه كيف يتوب.
فهناك فرق كبير بين من يصلي ويصوم خوفاً من عقاب الله، ومن يصلي ويصوم وهو يحب الله ويستمتع بأداء هذه العبادات، وهذا هو الهدى الذي لا يهدي إليه إلا الله، فأنا أنفذ تعاليم الله خوفاً من عقابه، وأدعو الله أن يحببها إليَّ ويهديني إلى الرشد فلا أرى أي خير في المعصية، فلذلك الدعاء مطلوب في كل وقت؛ لأن القلوب بيد الله، ومن الناس من يقول: وهل الدعاء يحل المشكلات؟ والجواب: نعم، فالدعاء مفتاح السعادة والراحة، إذا دعوت بإخلاص، وبدون الدعاء تكون الحياة شاقة.
وبعض الناس يقولون: نحن لسنا أنبياء حتى يستجيب الله لنا، والله تعالى لم يخص الأنبياء باستجابة الدعاء، وهذا من رحمته، ووعد الله بنجاته للمؤمنين الصادقين الخاشعين، وكل إنسان في استطاعته أن يكون منهم وذلك بمجاهدة النفس والاستعانة بالله بكثرة الدعاء، والله يجيب دعوة المضطرين من العباد، وإذا لم تُستجَب الدعوة في حينها فذلك لحكمة، والله سميع عليم قال: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: من الآية60] ، وقال تعالى: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} [إبراهيم: من الآية34] ، حقاً نحن مكلفون بالسعي ولكن النتائج كلها بفضل الله. وفي المشاكل التي يعجز الإنسان عن حلها وبعد الأخذ بالأسباب الدنيوية يدعو الله ويتوكل عليه، ثم عليه بالصبر حتى يقضي الله أمره وسيكون خيراً، ولنا الأسوة في رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دبر للهجرة وخطط لها، ثم دعا الله تعالى بأن يكلل سعيه بالنجاح.