ويظهر أن الجرجاني مأخوذ ومعجب إعجابًا واضحًا بالصورة الاستعارية أو الاستعارة التصويرية في قول كثير: (( وسالت بأعناق المطي الأباطح ) )فعنده أن هذه الاستعارة كمثل التاج للأبيات، وأن كُثيرًا أضاف بها إلى نصه حسنًا وجمالًا بسبب ما وفق إليه من دقة وإحكام في تأليفها (( ثم زان ذلك كله باستعارة لطيفة طبق فيها مفصل التشبيه ) ) [133] ولعل إعجاب الجرجاني بهذه الاستعارة هو ما دفعه إلى تناولها بالتحليل ليس في أثناء تناوله أبيات كثير في كتابه (أسرار البلاغة) فقط، وإنما في كتابه الآخر (دلائل الاعجاز) [134] ، ففي هذه التناولات لم يكتف عبدالقاهر بإطلاق حكمه، وإنما سعى بثقة إلى كشف الأسرار الجمالية في هذا الاستعارة، وهو سعي نكبر من أجله الجرجاني وأمثاله من رواد النقد القدامى الذين أدركوا قيمة التعليل في الأحكام النقدية، فعدا ما ذكرناه من دقة التأليف وإحكامه بوصفهما أحد الأسرار وراء جمال تلك الاستعارة، ينبهنا الجرجاني إلى سر آخر يكمن في الترابط بينها وبين الشطر السابق (( أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ) )فقول الشاعر: وسالت بأعناق المطي الأباطح )) تأكيد - في رأيه - وتوضيح لقوله: (( أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ) )ذلك أنه يرى أن السير السهل السريع (الذي توحيه الاستعارة) زاد في نشاط الركبان فأخذوا بينهم بأطراف الأحاديث [135] بخلاف ابن الأثير الذي رأى - كما عرفنا في موضع سابق - أن لذة الحديث هي ما شغل الركبان عن إمساك الأزِمَة فاسترخت عن أيديهم فأسرعت المطايا. ومهما يكن السبب والمسبَّب فالرجلان قد نجحا في إدراك إحدى علائق النص المهمة. والفرق بينهما هو أن عبدالقاهر جعل شطر الاستعارة (( وسالت بأعناق المطي الأباطح ) )هو المحور الرئيس في النص في حين أن ابن الأثير يرى أن (( أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ) )هو ذلك المحور. لقد حرص كل منهما أن ينطلق في تعليله من منطلق واقعي إضافة إلى الذوقي دون شك غير أنني أحس ميلًا إلى توجه