محاولًا تبصيرنا بطريقة التعبير الفنية التي اكتسب بها شعريته وهي الإِشارية والإِيحائية، فالمسح بالأركان هو إشارة إلى طواف الوداع وهو في الوقت نفسه إشارة إلى المسير وإيحاء به [130] ، أو هو كما عبر ابن طباطبا (( استشعار قائله لفرحة قفوله إلى بلده وسروره بالحاجة التي وصفها، من قضاء حجه وأنسه برفقائه ومحادثتهم ) ) [131] ، وقد يكون الجرجاني اطلع على ما قاله سلفه، ومهما يكن فقد أدرك البعد النفسي في مضمون الأبيات. ويبدو أن الجرجاني هو من هؤلاء النقاد الذين يحاولون استنزاف طاقات النص التعبيرية فقد استوقفه قول كثير:
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا
وخاصة منه لفظة (( أطراف ) )ومالها أو فيها من إيحاءات دلالية، يقول في هذا الصدد: (( ثم دل بلفظة ) ) (( الأطراف ) )على الصفة التي يختص بها الرفاق في السفر، من التصرف في فنون القول وشجون الحديث، أو ما هو عادة المتطرفين من الإِشارة والتلويح والرمز والإيحاء، وأنبأ بذلك عن طيب النفوس، وقوة النشاط، وفضل الاغتباط، كما توجبه ألفة الأصحاب، وأنسة الأحباب، وكما يليق بحال من وفق لقضاء العبادة الشريفة ورجا حسن الإِياب، وتنسم روائح الأحبة والأوطان، واستماع التهاني والتحايا من الخلان والإِخوان )) [132] ومع أننا لا نستبعد أن يكون الجرجاني قد استفاد - أيضًا - مما قاله ابن جني في هذا إلا أنه قد اعتصر هو الآخر الأبعاد الدلالية لكلمة الأطراف في إطار علاقات النص، وفي إطار مرجعيته المضمونية أو الظرفية التي قيل فيها وأيضًا في إطار مرجعيته النفسية التي عايشها مُنشؤه سواء في شكل رغبة شريفة تحققت أو آمال يحلم بتحققها من مثل ما ذكره الجرجاني نفسه عن كلمة (( أطراف ) ).