فهرس الكتاب

الصفحة 383 من 19127

وأول ما يستهل به عبدالقاهر رؤيته للأبيات [126] هو التأكيد على قاعدة نقدية لابد من الإِيواء إليها في نقد العمل الأدبي، وهي التفكير، وحسن التأمل، وعدم التسامح أو التساهل في إطلاق الأحكام (( راجع فكرتك، واشحذ بصيرتك، وأحسن التأمل، ودع عنك التجوز في الرأي ) ) [127] . وهذه قاعدة تجعلنا نعد عبدالقاهر - دون شك - من هؤلاء النقاد الذين دعوا إلى مقاربة النص بمعايشته وتعمقه دليلًا على احترامه وربما عشقه. ثم بعد هذا يلفت الأنظار إلى أن جمال الأبيات يعود - في جوهره - إلى جملة أشياء أجملها في الاستعارة الصائبة، والترتيب الحسن، والسلامة من الحشو ومن التقصير [128] ، كأن يريد أن يقول هنا: إن هذه الأبيات تلبست بالجمال ولبست الحسن بتكاملها المنتظم أو انتظامها المتكامل. وبعد هذا الإِجمال يشرع في التعليل لما أطلقه من أحكام فيبدأ بالبيت الأول:

ولما قضينا من منى كل حاجة ومسح بالأركان من هو ماسح

وما في شطره الأول من بعد عن التقريرية والحشو والتفاصيل التي تفسد الشعر، وذلك أنه (( عبر عن قضاء المناسك بأجمعها، والخروج من فروضها وسننها، من طريق أمكنه أن يقصر معه اللفظ، وهو طريقة العموم ) ) [129] ، باستعماله عبارة (( كل حاجة ) )فلم يحتج إلى سرد هذه المناسك ومالها من فروض وسنن. ورغم استفادة الجرجاني النقدية الجيدة من عبارة (( كل حاجة ) )إلا أنها استفادة محدودة مقارنة بما فعله ابن جني، فالفضاء الذي غزاه ابن جني بهذا الشطر أرحب وأطرف ألوانًا. ثم ينتقل الجرجاني إلى الشطر الثاني:

ومسح بالأركان من هو ماسح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت