فهرس الكتاب

الصفحة 382 من 19127

والذي يُضرب به المثل - كما يقول - في تعسف اللفظ. وتعسف اللفظ هذا في رأي الجرجاني لم يكن بسبب لفظه مجردًا (( من حيث أنك أنكرت شيئًا من حروفه أو صادفت وحشيًا غريبًا، أو سوقيًا ضعيفًا ) ) [124] وإنما كان (( لأنه لم يرتب الألفاظ في الذكر على موجب ترتيب المعاني في الفكر، فكد وكدر، ومنع السامع أن يفهم الغرض إلا بأن يقدم ويؤخر، ثم أسرف في إبطال النظام، وإبعاد المرام، وصار كمن رمى بأجزاء تتألف منها صورة، ولكن بعد أن يراجع فيها بابًا من الهندسة، لفرط ما عادى بين أشكالها، وشدة ما خلف بين أوضاعها ) ) [125] ، فواضح أنه نظر إلى بيت الفرزدق هذا في ضوء نظرية النظم وفي إطارها الذي أشرنا إلى أنه يستوعب صورة العمل الأدبي المتخلقة من ألفاظه ومعانيه ومن أدوات هذا التخلق وطرقه الفنية، إن توعر اللفظ أو تعسفه في بيت الفرزدق لا تكمن أسبابه في ألفاظ البيت من حيث هي ألفاظ مجردة إذ لا غرابة فيها ولا وحشية ولا ضعف أو سوقية، السبب هو في تهافت البناء الفني وفي تباعد أجزاء الصور وعلائق النظم، ولهذا نجده بعد بيت الفرزدق يعرض من ناحية تعارضية أبيات (( ولما قضينا ) )ليصحح النظرة النقدية الأخرى تجاه هذه الأبيات، تلك النظرة التي ترى جمال الأبيات في ألفاظها فحسب، ففي رأيه أن من أثنوا على الأبيات واستحسنوها بسبب ألفاظها، كانوا واهمين بسبب تسرعهم في الحكم، ولو تأملوا وروّوا لأدركوا أن هذا الجمال يكمن في شيء آخر وراء هذه الأبيات، يكمن في النظم أو الصورة في أوسع معنى لهما وأشمله عنده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت