الأدبي المتخلقة من ألفاظه ومعانيه ومن أدوات هذا التخلق وطرقه الفنية، هو الصورة التي انتهى إليها النص الشعري بعد أن انصهرت أشياؤه في مُفاعَل التكوين الإِبداعي العجيب.
بعد هذه الجولة التي نعدها ضرورية لتفهم رؤية عبدالقاهر الجرجاني إلى أبيات كثير، ومعينة - أيضًا - على تصور أبعاد تناوله إياها - نصل الآن إلى تتبع هذا التناول وتفحص تلك الرؤية. ونعتقد أنهما تناول ورؤية يقفان في مستوى مقاربات النص الجادة، هذه المقاربات التي تحترم النص ولا تقنع منه بالمرور العابر أو بالنظرة العجلى التي لا تخترقه وتجسه في كل جوانبه. وإذا كانت مقاربة النص تتحقق - كما يقول تودوروف [122] - بعدة طرق منها البقاء داخله، ومنها قراءته باعتباره نظامًا تسعى هذه القراءة إلى توضيح علائق شتى أجزائه، ومنها استغلاليته فإن عبدالقاهر سعى قريبًا جدًا من هذه المقاربات التي نرجو أو تتكشف من خلال وقوفنا على بعض لمساته النقدية للأبيات، لكنا نشير الآن إلى مقاربة استغلالية النص لنقرر في البداية أن عبدالقاهر استغل نص كثير من أكثر من شيء حتى في الانتفاع به وتوظيفه في خدمة (( نظرية النظم ) )التي ينتصر لها في العمل الأدبي، فتناوله لهذا النصر جاء في أعقاب حديثه عن بيت الفرزدق:
وما مثله في الناس إلا مملكًا أبو أمه حيُّ أبوه يقاربه [123]