لكن الأمر خلاف هذا، فالألفاظ لا تأخذ أمكنتها أو منازلها إلا بهذه المعاني التي تسكنها (( ولو خلت(هذه الألفاظ) من معانيها حتى تتجرد أصواتًا وأصداء حروف لما وقع في ضمير ولا هجس في خاطر أن يجب فيها ترتيب ونظم، وأن يجعل لها أمكنة ومنازل )) [108] ، (( ولو فرضنا أن تنخلع من هذه الألفاظ التي هي لغات دلالتها لما كان شيء منها أحق بالتقديم من شيء ولا ينصور أن يجب فيها ترتيب ونظم ) ) [109] .
هذه هي الألفاظ التي يؤخرها عبدالقاهر، والألفاظ من حيث هي ألفاظ مفردة عن أخواتها ومن حيث هي أصوات مجردة من الدلالة. وفي مقابل هذه الألفاظ التي يؤخرها تأتي معانيها، ليست معانيها الذاتية فحسب وإنما معانيها المتولدة من تلاؤمها بعضها مع بعض أي المعنى الذي أفرزه بناء العبارة ونظمها أو (( كل ما نتج عن السياق من فكر وإحساس وصورة وصوت ) )كما يقول محمد زكي العشماوي [110] . هذا جانب، وجانب آخر هو أن عبدالقاهر حين يقدم هذا النوع من المعنى على ذاك النوع من الألفاظ يريد أن يقرر لذاك المعنى أسبقية وأولوية بالنظم والترتيب قبل الألفاظ، وهذه الأسبقية أو الأولوية هي بعض مما عبر عنه بالفضل أو المزية حينما قال؛ إن المزية من حيز المعاني دون الألفاظ كما ذكرنا قبل. (( فأما أن تتصور في الألفاظ أن تكون المقصودة قبل المعاني بالنظم والترتيب، وأن يكون الفكر في النظم الذي يتواصفه البلغاء فكرًا في نظم الألفاظ.. فباطل من الظن ووهم يتخيل إلى من لا يوفي النظر حقه ) ) [111] والمعنى من هذا المنظور هو ما تنهض عليه نظرية النظم التي تبلورت على يديه وترسخت نظريةً نقديةً لها أهميتها، هذه النظرية التي نلمس منه صدقًا ونشاطًا في الدفاع عنها، وفي شرحها وإيضاحها. عملية النظم عنده أبعد وأعمق من كونها عملية رَص للألفاظ وضمها بعضها إلى بعض؛ إذ هي اقتضاء لآثار معاني هذه الألفاظ وترتيب لها على حسب ترتيب المعاني في النفس [112] ، وبدون هذا الترتيب تنعدم الصورة التي