فهرس الكتاب

الصفحة 377 من 19127

بالتناقض على الأقل، لكننا حين نمعن النظر ونتروى ونستجلي أبعاد نصوص عبدالقاهر وأقواله في إطار القضية - وفي أذهاننا استبعاد أن يقع مثل هذا الناقد العظيم في تناقض خطير مثل هذا - نخرج برؤية تحل مشكل ظاهرية التناقض، وتبعد ما اكتنف الموقف (موقف عبدالقاهر) من غموض إزاء مسألة اللفظ والمعنى. ولعل الخطوة الأولى في الطريق إلى التوفيق بين أقوال عبدالقاهر وزحزحة التناقض عن موقفه هي إدراكنا بأنه في إطار القضية تحدث عن نوعين من اللفظ قدّم أحدهما مقابل معنى وأخَّر الآخر، وعن نوعين من المعنى قدم أحدهما مقابل لفظ وأخر الآخر ومهمتنا الآن هي تعرف ما يقدم وما يؤخر من لفظ أو معنى. أما اللفظ الذي يؤخره فهو اللفظ من حيث هو لفظ ومجرد صوت لا يحمل أية دلالة معنوية، وأيضًا من حيث هو لفظ مجرد ومفرد عن جيرانه من الألفاظ، وعلى هذا فالألفاظ - عنده - بدون دلالات لا تتفاضل، وإنما تتفاضل بمالها من دلالات معنوية تلائم بها معاني جاراتها.

ويبدو أن الجرجاني حريص على ترسيخ هذا المفهوم بدليل إيراده أكثر من مرة فهو في دلائل الإِعجاز يقول:"فقد اتضح إذن اتضاحًا لا يدع للشك مجالًا أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة ولا من حيث هي كلم مفردة، وأن الألفاظ تثبت لها الفضيلة وخلافها في ملائمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها أو ما أشبه ذلك مما لا تعلق له بصريح اللفظ [105] وللمزيد من التأكيد على أن اللفظة لا قيمة لها في ذاتها منفردة وإنما بتفاعلها الدلالي مع جاراتها يستشهد الجرجاني ببعض الأبيات ويعلق عليها" [106] .

ثم يضيف:"فلو كانت الكلمة إذا حسنت من حيث هي لفظ، وإذا استحقت المزية والشرف استحقت ذلك في ذاتها وعلى انفرادها، دون أن يكون السبب في ذلك حال لها من أخواتها المجاورة لها في النظم، لما اختلف بها الحال ولكانت إما أن تحسن أبدًا أو لا تحسن أبدًا" [107] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت