فاعرفه" [95] ."
ففي نصه الذي نقلناه - على طوله - أراد الجرجاني أن يؤكد ترابط اللفظ والمعنى، وأن يقرب لنا صورة هذا الترابط بمشاكلته بين الكلام والتصوير والصياغة حين قال: إن الكلام بما فيه من شكل ومضمون هو مثل التصوير والصياغة بما فيهما من شكل ومضمون. وعلى هذا فالمعنى من الكلام هو كالفضة أو الذهب من الصياغة. قد نفضل خاتمًا على خاتم لأن فضة ذلك أجود أو فصه أنفس لكن هذا لا يعد تفضيلًا له من حيث هو خاتم، على هذا يقيس الجرجاني الشعر، فقد نفضل بيتًا على بيت من أجل معناه لكن هذا لا يعد تفضيلًا له من حيث هو شعر وكلام إبداعي. قد نسمي هذا نظمًا أو نحوه، أم أن ندخله في إطار الشعر فلا، إذ الشعرية - كما يراها الجرجاني - تلاقً متفاعل بالجمالية والفنية بين المعنى واللفظ بما لهما عنده من مفهومات شاملة.
على هذا، هل نقول: إن الجرجاني - في إطار قضية اللفظ والمعنى - لا ينتصر للمعنى على اللفظ ولا للفظ على المعنى، وإنما ينتصر لفكرة النظم التي تلقفها أو استوحاها ممن سبقه (كالجاحظ(ت255) ، والواسطي (ت307) صاحب كتاب (( إعجاز القرآن في نظمه ) )وكأبي هلال العسكري) فبلورها في شكل الربط بين الاثنين أي بين الشكل والمضمون؟ إننا نجابه حقًا - في تناول عبدالقاهر لقضية اللفظ والمعنى غموضًا وإيهامًا بالتناقض كما رأى ذلك محمد خلف الله [96] ، ومحمد مصطفى هدارة [97] . ففي مواضع من كتاب دلائل الإِعجاز وأسرار البلاغة يبدو كأنه ينتصر للمعنى، وفي موضع آخر يظهر كأنه ينتصر للفظ، ذلك أنه رأى أن الألفاظ تابعة للمعاني [98] ، وأنها خدمها، والمصرفة في حكمها، المالكة سياستها [99] ، بل إنه يقول بعبارة صريحة:"فمن نصر اللفظ على المعنى كان كمن أزال الشيء عن جهته وأحاله عن طبيعته" [100] .