وليس من صميم البحث أن نتحدث عن نظرية النظم عند عبدالقاهر، ولا أن نتقصى أبعادها إلا بمقدار ما يفيدنا هذا عند تقويم موقفه النقدي من أبيات كُثير. وما نرى أنه يهمنا الآن هو كون نظريته قضاءً على ثنائية اللفظ والمعنى، وأنه في ضوء هذه النظرية عرض بنقد من (( يفردون اللفظ عن المعنى ) ) [92] ، أو من على أساسهما (( قسموا الشعر فقالوا إن منه ما حسن معناه دون لفظه ) ) [93] معرضًا بابن قتيبة ومن يقف موقفه، كما أنه انتقد من يقدمون الكلام من أجل معناه فقط. ذلك لأن هذا التقديم في حقيقته فصل لشيئين من طبيعتهما الاتصال والتداخل والتلاحم،. بل إن هذا الفصل - كما يرى - يزيل أدبية النص وشعريته. ولهذا فحق النص أن ينظر إليه شكلًا ومضمونًا لا شكلًا فقط أو مضمونًا فقط. يقول في هذا الصدد:"واعلم أنهم لم يعيبوا تقديم الكلام بمعناه من حيث جهلوا أن المعنى إذا كان أدبًا وحكمة وكان غريبًا نادرًا فهو أشرف مما ليس كذلك، بل عابوه من حيث كان من حكم من قضى في جنس من الأجناس بفضل أو نقص ألا يعتبر في قضيته تلك إلا الأوصاف التي تخص ذلك الجنس وترجع إلى حقيقته وألا ينظر فيها إلى جنس آخر وإن كان من الأول بسبيل أو متصلًا به اتصال مالا ينفك منه. ومعلوم أن سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة وأن سبيل المعنى الذي يعبر عنه سبيل الشيء الذي يقع التصوير والصوغ فيه كالفضة والذهب صياغ منهما خاتم أو سوار، فكما أن محالًا إذا أنت أردت النظر في صوغ الخاتم وفي جودة العمل ورداءته أن تنظر إلى الفضة الحاملة لتلك الصورة أو الذهب الذي وقع فيه العمل وتلك الصفة - كذلك محال إذا أردت أن تعرف مكان الفضل والمزية في الكلام أن تنظر في مجرد معناه. وكما أنا لو فضلنا خاتمًا على خاتم بأن تكون فضة هذا أجود أو فصه أنفس لم يكن ذلك تفضيلًا له من حيث هو خاتم، كذلك ينبغي إذا فضلنا بيتًا على بيت من أجل معناه ألا يكون تفضيلًا له من حيث هو شعر [94] وكلام وهذا قاطع"