وبابن الأثير نأتي إلى نهاية رؤيتين نقديتين متضادتين لأبيات كثير، إحداهما لا ترى لمعناها كثير فائدة بالقياس إلى ما فيها من ألفاظ حلوة وصياغة جميلة، فسر جمالها عند أصحاب هذه الرؤية هو في ألفاظها. وفي هؤلاء من ينتصر - بوضوح - للألفاظ. وأخراهما ترى سر جمالها ليس في ألفاظها فقط، وإنما في المعاني التي وراء هذه الألفاظ. وأصحاب هذه الرؤية يجنحون إلى المعاني في إطار الخلاف حول قضية اللفظ والمعنى في النقد العربي. ومن خلال المبحث السابق عرفنا أن هؤلاء نجحوا بطرق فنيه في اكتشاف معانٍ للأبيات غير أنها ليست من جنس تلك المعاني التي ترضي أذواق أولئك الذين ضيقوا دائرة المعاني وهي دائرة رحبة.
ثالثًا: جمال في البناء والنظم والتصوير.
(1) في التناولات النقدية التي مرت بنا حتى الآن، يبرز الفصل بين الشكل والمضمون أداةً أو وسيلة نقدية متسوِّدة إلى درجة شوشت على أذهان بعض النقاد الذين تعرفنا مواقفهم فانحجبت دونهم أكثر من نقطة مضيئة في أبيات كثير كان ينبغي ألا تخطئها عين النقد. ولهذا سنتوقف عند تناول نقدي بالغ الأهمية. ذلك أنه يتناول الأبيات ليس من زاوية الفصل بين لفظها ومعناها وإنما عن طريق الربط بينهما ربطًا وثيقًا محكمًا.
يرفض عبدالقاهر الجرجاني (ت471 أو 474هـ) وهو من نعنيه بهذا التناول النقدي الذي أشرنا إليه - يرفض أساسًا فكرة الفصل بين المعنى واللفظ ويتجسد رفضه في فكرة النظم التي بلورها خاصة في كتابه (( دلائل الإِعجاز ) )وفكرة النظم بإِيجاز تُرجع سر جمال القول إلى النص بوصفه بناء فنيًا متكامل الشكل والمضمون متلاحمهما.