فهرس الكتاب

الصفحة 372 من 19127

فقد ذكرنا أن ابن جني لم يقف طويلًا عند هذا الشطر. وربما لهذا أراد ابن الأثير أن يتم مالم يكمله سلفه حتى تكتمل تلك الإِضاءة التي نشرها الأول حول أبيات كثير والالتفاته النقدية التي نقصدها لابن الأثير هي في قوله بأن في هذا الشطر: (( من لطافة المعنى وحسنه مالا خفاء به ) ) [88] . وتخريجه هذا المعنى اللطيف على أن لذة الحديث شغلت القوم عن إمساك الأزِمَّة فاسترخت عن أيديهم فأسرعت المطايا في المسير حتى تراءت أعناقها كأنها السيل في الأباطح، ولكنا ننقل نصه لاكتمال الصورة:"إن هؤلاء القوم لما تحدثوا وهم سائرون على المطايا شغلتهم لذة الحديث عن إمساك الأزمة، فاسترخت عن أيديهم، وكذلك شأن من يشره وتغلبه الشهوة في أمر من الأمور، ولما كان الأمر كذلك، وارتخت الأزمة عن الأيدي أسرعت المطايا في المسير، فشبهت أعناقها بمرور السيل على وجه الأرض في سرعته، وهذا موضع كريم حسن، لا مزيد على حسنه، والذي لا ينعم نظره فيه لا يعلم ما اشتمل عليه من المعنى" [89] .

هذا هو ما أضافه ابن الأثير إلى رؤية ابن جني. وهي إضافة تستحق التنويه؛ ذلك أنه أدرك، بل ابتدع بعدًا معنويًا للاستعارة في (( وسالت بأعناق المطي الأباطح ) )وهذا البعد المعنوي المبتدع هو تعليله لسرعة الإِبل باسترخاء الأزمة عن الأيدي بسبب نشوة الحديث. فمن حق ابن الأثير أن نسجل له هذا التسلل الدقيق والرشيق إلى حمى هذا الشطر واقتناص هذا المعنى منه، بل إنه نوع من الهجوم الصعب على المعاني المحمية بحجب الخواطر كما يقول هو:"وللهجوم على عذارى المعاني المحمية بحجب البواتر أيسر من الهجوم على عذارى المعاني المحمية بحجب الخواطر" [90] .

ويظهر أن إنعامه الدقيق للنظر قد ساعده على إدراك محتوى هذا الشطر كما قال:"والذي لا ينعم نظره فيه (أي في هذا الشطر) لا يعلم ما اشتمل عليه من المعنى" [91] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت