كما يقول روبرت شولز - لا ينتشر في العمل ببساطة، وإنما يفسر على أيدي خبير في العمليات اللغوية [87] . وابن جني - دون شك - هو من خبراء اللغة وعملياتها. وما نخلص إليه مطمئنين هو أن هذا الخبير (ابن جني) نجح في استعمال ذائقتيه: الفنية واللغوية أداتين نقديتين وظفهما لاستعادة شعرية نص كُثيرِّ وقد كان أفرغ منها من قِبل بعض النقاد، بل إنه بطريقة تناوله قد أعاد كتابة هذا النص، أو اشترك فيها. وإن قراءته له (النص) هي من نوع القراءة المنتجة لا الاستهلاكية العابرة.
(2) وفي اتجاه ابن جني يسير ابن الأثير (ت637هـ) فموقفه من قضية اللفظ والمعنى هو موقف سلفه حين يحفل بالمعاني ولكن ليس على حساب الألفاظ. ثم إنه في هذا المجال أو السياق تناول (( ولما قضينا من منى كل حاجة ) )غير أن تناوله لم يكن أكثر من إعادة وتكرار لما قاله ابن جني، بل إن مقارنة بين نصي الرجلين تظهر أن ابن الأثير قد أخذ كثيرًا من نص ابن جنى فنقله بمعناه وبأكثر عباراته دون أن يشير إلى مرجعه. وربما يُعد ذلك إحدى السرقات في النقد العربي القديم، ولكنا نترفق بابن الأثير ونخفف قسوتنا في الحكم عليه إذا ما التمسنا عذرًا له في رأي أن رؤية ابن جني للأبيات هي الرؤية التي تتفق مع ذائقته، وتعبر عن موقفه فلم ير حرجًا في نقلها، خاصة وأن المنهجية العلمية في النقد لم تتأصل بعد في زمنه. ولا يعني التماسنا عذرًا له اعترافنا له باستقلالية النظرة النقدية للأبيات، مع أن من الإِنصاف أن نذكر له التفاتة نقدية مستقلة تجاه أحد أشطر الأبيات هذا:
ومالت بأعناق المطي الأباطح