فهرس الكتاب

الصفحة 370 من 19127

الآن يكتمل موقف ابن جني من أبيات كثير، وتتكامل رؤيته لها فيتضحان، ويتضح لنا منهما إعجابه بمعناها أكثر من إعجابه بلفظها؛ أي إنه - بعبارة أخرى - يرى أن سر جمال هذه الأبيات هو في معانيها قبل أن يكون في ألفاظها (( وإذ كان كذلك فمعنى هذين البيتين أعلى عندهم، وأشد تقدمًا في نفوسهم، من لفظهما وإن عذب موقعه، وأنق له مستمعه ) ) [85] . وإذا كان ابن قتيبة والذين معه قد أعجبوا بألفاظها ووضعوا من معانيها، فابن جني معجب بالعنصرين معًا، فالبيتان عنده جميلان شكلًا ومعنى، غير أنه - كما أوضحت - يرفع من قدر المعنى ولكن ليس على حساب اللفظ إذ لم نلحظ شيئًا من ذلك في أثناء تناوله وتحليله للبيتين. ولقد سبق أن قلت إنني معجب برؤية ابن جني للأبيات، وبطريقة تناوله إياها. ولست أعني أن ما انتهى إليه صحيح ومنطقي فالأدب لا يعرف هذا النوع من الأحكام، ولكن إعجابي يأتي من أن رؤيته رؤية جمالية، وطريقته طريقة اختراقية، وتناوله تناول ودي يحتفي بالنص ويتحبب إليه ليستدر معانيه، ويعتصر مدلولاته، ويظهر أن كل هذا هو مما يَسر لابن جني خطوات نقدية ناجحة مثل قدرته على تجاوز طريقة الشرح العقيم للنص إلى طريقة التفسير والتأويل اللذين ينطلقان بالمعنى إلى آفاق أرحب لا يحدها عرف أو واقع، ولا حتى دلالات أخلاقية أو حِكْميَّة، أو معجمية جامدة. ثم مثل إدراكه للأبعاد الإِيحائية في النص، وما فيه - كما يقول - من وحي خفي. ورمز حلو [86] . وكما يتضح، فابن جني يستجيد ويستعذب هذا المنحى من التعبير الذي يدخل في إطار الغموض الفني، بل إني أرجح أن هذا الجانب الإِيحائي الجميل في بيتي كثير هو مما أغرى ابن جني بهما، على أن هذا لا يصرفنا في الجانب الآخر عن التساؤل عما إذا كان موقف ابن جني من المعنى وانتصاره له - في إطار قضية المعنى واللفظ في النقد العربي القديم - قد دفعه إلى أن يذهب بعيدًا في تأويل أبعاد لمعنى هذين البيتين، لولا أن نتذكر أن المعنى -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت