وهنا، في هذه النقطة، يكون ابن جني قد أدرك بحاسة نقدية لغوية دقيقة أحد الأبعاد الجمالية والمعنوية لعلاقات الألفاظ بعضها مع بعض، وما قد ينبعث من تجاورها من حوار هامس أو همس متحاور. ولم يكتف ابن جني بتوظيف العلاقات والتجاور بين الكلمات في التفسير الشعري، وإنما استثمر صيغة الجمع حين تناول بيتي كُثير في موضع آخر من كتابه هو (( القول على الفصل بين الكلام والقول ) )فقد نبه إلى أن الشاعر إنما استعمل (( أحاديث ) )بصيغة الجمع ولم يستعمل (( حديث ) )بصيغة المفرد لغرض معنوي. ذلك أنه إذا كانت كلمة (( حديث ) )مفردة ذات إيحاء خاص، وطعم متفرد، فإنها مجموعة تزيد تلك الإِيحاءات وتكشف هذه الطعوم [83] . كلمة (( أحاديث ) )وفق استثمار ابن جني لها ملمح جمالي، ورامز معنوي في الوقت نفسه. ولم يرد ابن جني بعد هذا أن يقف طويلًا عند قول كثير: (( وسالت بأعناق المطي الأباطح ) )إذ فيه - كما يرى - (( من الفصاحة مالا خفاء به. والأمر في هذا أسير، وأعرف، وأشهر ) ) [84] .