أي إنما كانت حوائجنا التي قضيناها، وآرابنا التي أنضيناها [73] ، من هذا النحو الذي هو مسح الأركان وما هو لاحق به، وجارٍ في القربة من الله مجراه؛ أي لم يتعد هذا القدر المذكور إلى ما يحتمله أو البيت من التعريض الجاري مجرى التصريح )) [74] هذه رؤية ابن جني لهذا البيت؛ رؤية نافذة حاول بها اختراق قلب الشاعر ليعرض معناه على شاشة لغوية أسلوبية. وعبارة (( كل حاجة ) )- عنده - عبارة مكثفة إيحائية، بإحدى سياقاتها ومتعلقاتها (( مِنَى ) )تبث معاني ذات نكهة خاصة لفئة معينة. ولكن الشاعر لا يريد أن تظن به الظنون، ولهذا خادع المتلقى عما أوما إليه، بقوله في الشطر الثاني: ومسح بالأركان من هو ماسح )) ليوهمه أن كل حاجة قضاها من مِنَى إنما كانت في مجال التقرب من الله. ثم بعد هذا ينتقل إلى البيت الثاني قائلًا:
(( وأما البيت الثاني فإن فيه:
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا
وفي هذا ما أذكره؛ لتراه فتعجب ممن عجب منه ووضع من معناه. وذلك أنه لو قال: أخذنا في أحاديثنا، ونحو ذلك لكان فيه معنى يكبره أهل النسيب، وتعنو له ميعة الماضي الصليب [75] . وذلك أنهم قد شاع عنهم واتسع في محاوراتهم علو قدر الحديث بين الأليفين، والفكاهة بجمع شمل المتواصلين )) [76] ، يريد ابن جني أن يقول إن مجرد ذكر كلمة (( أحاديث ) )في هذا البيت على افتراض أن الشاعر أوردها مرسلة غير مقيدة بكلمة (( أطراف ) )إنها وحدها تثير شجونًا، وتستدعي ذكريات، وتحرك مشاعر يُكبرها العشاق وتخفق لها قلوبهم، كلمة (( حديث ) )تمردت على جذرها اللغوي وخرجت على المعجم ودخلت في معجم أهل العشق والنسيب فأصبحت مصطلحًا من مصطلحاتهم الشعرية يكبرونها ويطعمون حلاوتها لما تحمله من معاني الوصال والعتاب والتشاكي وكل ما يتبادله المحبان إذا التقيا. ثم يورد ابن جني أبياتًا يدعم بها رؤيته إذا يقول: ألا ترى إلى قول الهذلي [77] .
وإن حديثًا منك - لو تعلمينه - جَنى النحل في ألبان عوذٍ مطافل [78] .