كأنه ينتقد الآخر بالتسرع في إطلاق الأحكام النقدية نتيجة لعدم التحبب إلى النص، والدنو منه دنوًا تتضح به أبعاده، وتنكشف طيّاته وأطواؤه. وإذا كان هذا الآخر لم يوفق في رؤيته النقدية بسبب فشله في مقاربة النص، أو عدم إدراكه لأهمية هذه المقاربة فإن مما أعان على عدم التوفيق افتقاره إلى رهافة الحس النقدي من ناحية، واتجاه الشاعر بتعبيراته إلى الإِيحاء والرمز من ناحية أخرى كما يرى ابن جني: (( وإنما ذلك لجفاء طبع الناظر، وخفاء غرض الناطق ) ) [72] هذه هي الأسباب التي يراها ابن جني قد حالت دون إدراك معاني أبيات كُثير من قِبل بعض النقاد. ثم بعد ذكره هذه الأسباب التي تضمنت رؤيته النقدية للأبيات نظريًا، يدخل في مرحلة التطبيق محللًا ومفسرًا ومحاولًا إثبات أن وراء ألفاظها معاني تستحق الإِكبار. وأن في عباراتها إيحاءات خفية، ورموزًا حلوة، وإيماءات معبرة فيقول: (( ذلك أن في قوله (( كل حاجة ) )ما يفيد منه أهل النسيب والرقة، وذوو الأهواء والمقة مالا يفيده غيرهم، ولا يشاركهم فيه من ليس منهم، ألا ترى أن من حوائج (منى) أشياء كثيرة غير ما الظاهر عليه، والمعتاد فيه سواها، لأن منها التلاقي، ومنها التشاكي، ومنها التخلي، إلى غير ذلك مما هو تالٍ له، ومعقود الكون به. وكأنه صانع عن هذا الموضع الذي أومأ إليه، وعقد غرضه عليه، بقوله في آخر البيت:
ومسح بالأركان من هو ماسح