فقد ترى إلى علو هذا اللفظ ومائه، وصقاله وتلامح أنحائه، ومعناه مع هذا ما تحسه وتراه إنما هو: لما فرغنا من الحج ركبنا الطريق راجعين، وتحدثنا على ظهور الإِبل. ولهذا نظائر كثيرة شريفة الألفاظ رفيعتها، مشروفة المعاني خفيضتها )) [70] ، هذه هي وجهة نظر الآخر أوردها ابن جني ونقلناها لنوضح أنه يعي هذه الوجهة وعيًا تامًا، بل إنه بسبب هذا الوعي، ولأن هذه الرؤية لا تَدَّغِم في نظريته التي ذكرناها تَصدَّى لدحضها بتعمق الأبيات واستشراف أبعادها واعتصار مدلولاتها، وتوظيف ألفاظها مستفيدًا في هذا من معرفته وذائقته اللغويتين. والحق أنني أعجبت مثلما مُتِّعِت برؤية ابن جني النقدية لأبيات (( ولما قضينا ) )وبطريقة تأوله لها في معرض رده على من قالوا بامتلائها جمالًا من حيث الألفاظ والصياغة، وفراغها من حيث المعنى ففي هذه الرؤية وفي طريقة عرضها ما يظهر ذكاء وحسًا نقديًا واحتفاء بالنص وعشقًا له. يرى ابن جني في البداية أن سبب رؤية أحد وجهي الأبيات (وهو الألفاظ) مشرقًا والآخر (المعاني) معتمًا إنما كان بسبب عدم إنعام نظرهم في الأبيات وفي موقفهم منها؛ أي بهذه النظرة التي قرت على السطح فتسطح المعنى بسببها عندهم. وذلك في قوله:"هذا الموضع (يشير إلى رؤية ابن قتيبة ومن وافقه) قد سبق إلى التعلق به من لم ينعم النظر فيه، ولا رأى ما رآه القوم منه" [71] .