فهرس الكتاب

الصفحة 364 من 19127

ثانيًا: - جمال في المعنى (والألفاظ) .

(1) يبدو أن نظرة ابن قتيبة - ومن تابعه في هذه النظرة من النقاد - إلى أبيات كثير كانت نظرة استفزازية لآخرين مثل ابن جني (ت392هـ) الذي تناول الأبيات تناولًا من الواضح أنه يرد به على ابن قتيبة ومن يرى رأيه. وتناول ابن جني لهذه الأبيات جاء في (( باب الرد على من ادّعى على العرب عنايتها بالألفاظ واغفالها المعاني ) )من كتابه الخصائص [67] . فهو من المنتصرين للفكر أو المضمون (المعاني) . ولا يرى عناية العرب بألفاظها إلا دليلًا على أن المعاني عندها أقوى، وعليها أكرم، وفي نفوسها أفخر قدرًا [68] . وعنده أن ما يبدو عناية بالألفاظ إنما هو في الحقيقة عناية بالمعاني وخدمة لها، (( فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظها وحسنوها، وحموا حواشيها وهذبوها، وصقلوا غروبها وأرهفوها، فلا تريَنّ أن العناية إذ ذاك إنما هي بالألفاظ، بل هي عندنا خدمة منهم للمعاني، وتنويه بها وتشريف منها ) ) [69] . هذا هو رأي ابن جني في قضية اللفظ والمعنى وموقفه منها. وهذا - أيضًا - هو السياق الذي تناول فيه أبيات كثير، ولكنا نقرأ بين أسطر السياق هذا أو نستقرئ، منه يقينه بأن وراء كل شكل جميل مضمونًا جميلًا، ظاهرًا كان هذا المضمون أم خافيًا. وإذا ما بدا خلاف ذلك لِناقدٍ ما، فإنما ذلك لعلة في الناقد نفسه أو لأسباب فنية تتعلق بالنص. وردًا على من يخالفونه وفي إطار التطبيق لنظريته يشرع في تحليل أبيات كثير وتفسيرها (أورد منها بيتين فقط) ممهدًا بعرض وجهة نظر الآخر: (( فإن قلت: فإنا نجد من ألفاظهم ما قد نمقوه، وزخرفوه، وَوَشَّوْه، وَدَبَّجوه، ولسنا نجد مع ذلك تحته معنى شريفًا، بل لا نجده قصدًا ولا مقاربًا؛ ألا ترى إلى قوله:

ولما قضينا من منى كل حاجة ومسح بالأركان من هو ماسح

أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا وسالت بأعناق المطي الأباطح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت