(6) ثم ينضم أبو العباس أحمد بن علي القلقشندي (ت821هـ) إلى القافلة، ويقف من الأبيات موقف كل من ابن قتيبة وابن طباطبا وقدامة بن جعفر والباقلاني بوجه عام، وأبي هلال العسكري بوجه خاص. لكنا لا نجد في موقف صاحب صبح الأعشى تميزًا لأنه نقل رأي أبي هلال العسكري حول الأبيات. وكذا حديثه قبلها وبعدها نقلًا حرفيًا سوى كلمة أو اثنتين [65] . وما تُمكن إضافته هو أن القلقشندي ذهب في الانتصار للألفاظ ليس إلى حد التقرير فقط وإنما إلى حد التمثيل والمقارنة حين يقول تحت (فضل الألفاظ وشرفها) :"إن الألفاظ من المعاني بمنزلة الثياب من الأبدان فالوجه الصبيح يزداد حسنًا بالحلل الفاخرة والملابس البهية، والقبيح يزول عنه بعض القبح."
كما أن الحسن ينقص حسنه برثاثة ثيابه وعدم بهجة ملبوسه، والقبيح يزداد قبحًا إلى قبحه، فالألفاظ ظواهر المعاني، تحسن بحسنها، وتقبح بقبحها" [66] ."
وعلى هذا فأبيات كثير عنده جميلة جمالًا مطلقًا بسبب ألفاظها وبصرف النظر عمّا وراء هذه الألفاظ من معنى صوابًا كان هذا المعنى أم خطأ، جميلًا أم قبيحًا كبيرًا أم وسطًا. وهذا ما يمكن أن يختص به عن سلفه أبي هلال العسكري.
وبالقلقشندي نأتي إلى آخر من نعلم من النقاد القدامى الذين يُرجعون جمال أبيات كثير إلى شكلها. ولا نريد أن نكرر ما قلناه في حينه وفي موضعه، لكن ما نرغب توضيحه هو أن أخطر شيء في موقف جُل هؤلاء هو طلبهم في المعنى أن يكون محددًا متجسدًا واضحًا من ناحية، وأن يكون متفقًا مع العرف والعادة والقيم السائدة أو متلفعًا بالحكمة من ناحية أخرى. وهذه نظرة ضيقة تخنق المعنى لافتقارها إلى الشمولية سواء بالنسبة إلى تجربة الشعر مع نفسه وغيره من البشر أم بالنسبة إلى تجربته مع الكون والحالة بأوسع تداعياتها وأعقدها. لكن هذه النظرة لها ما يصححها أو يعدل شيئًا في مسارها عن نقاد آخرين تناولوا أبيات كثير برؤية أكثر انفتاحًا وأرهف حسًا.