والتحدي الذي يواجه المعنيين بالتأصيل في المستقبل هو التحدي الذي يواجههم الآن، وهو زيادة العناية بتحديد مفهوم التأصيل في جانبيه النظري والعملي. إن تحديد الأسس العلمية التي يجب أن يبنى عليها التأصيل، والضوابط الأخلاقية التي تضبط مسار العلم فلا يخرج عن نفع الإنسان إلى ضده ركيزتان من ركائز التأصيل الإسلامي لعلم النفس بل العلوم الاجتماعية عامة. وحركة التأصيل الإسلامي لعلم النفس مدعوة إلى استكمال هذين الجانبين. وتقويم ما قدمته حركة التأصيل فيما يتعلق بالحديث عن نظرية المعرفة وشروط التأصيل وهذا ما سوف يتطرق له البحث فيما يأتي إن شاء الله تعالى.
نظرية المعرفة:
العلوم العامة ومنها العلوم الاجتماعية تخضع لأطر تحدد مجالات بحثها ومناهجها، ومنها تستمد المسلمات التي تستند إليها. وهذه الأطر هي من نوع المسلمات التي يتلقاها الباحثون عادة بالتسليم ولا يعرضون لها بنقاش، بل ربما لا يشعرون بهيمنتها عليهم وتحكمها في أنماط تفكيرهم. والمناسبات التي يقف فيها الباحثون متسائلين عن جدوى الإطار الذي يحكم مسيرتهم العلمية قليلة، ولا تكون عادة كما يرى كون (1970م، Kuhm) إلا في حال واحدة: عندما يعجز الإطار المعرفي عن تفسير بعض الظواهر التي يدرسها أو يعجز عن الإجابة على بعض الإشكالات العلمية التي تثور في أثناء البحث. ومع شعور عدد من دارسي التأصيل بقصور الأطر المعرفية التي تنطلق منها العلوم الاجتماعية في الغرب عن الوفاء بحاجاتهم وتحقيق أهدافهم في التأصيل، اتجهوا إلى زعزعة هذه الأطر والمسلمات والبحث في نظرية المعرفة نفسها وكان التصور الذي يقودهم إلى هذا البحث هو هل نظرية المعرفة التي تستند إليها العلوم الوافدة من الغرب تتفق مع المفهوم الإسلامي لنظرية المعرفة؟