ملخص ما نحصل عليه الآن هو أن رؤية أبي هلال العسكري لأبيات كثير هي رؤية المعجب بها وبما فيها من شعرية، وأن هذا الإِعجاب إنما كان بسبب اللفظ أو الشكل رغم وسطية المعنى أو المحتوى. فهي رؤية تذوقية أولًا، ورؤية تخدم موقفه من قضية اللفظ والمعنى ثانيًا حين عزز بها انتصاره للفظ. ثم إن هذه الرؤية تأتي خارج إطار ثنائية تحسين اللفظ وإصابة المعنى، هذه بالتحفظ [62] ، غير أنني أعود مؤكدًا - من خلال أقواله - أن هذه الثنائية غير متعادلة الطرفين إذْ المقدم والأهم فيها هو اللفظ، كما أنها - أيضًا - غير متلازمة الطرفين إذْ قد يغيب المعنى بدرجة أو بشكل من الأشكال، ومع هذا يبقى الشعر متألقًا أو - كما يقول هو - رائعًا نادرًا ورائقًا معجبًا.
هذه رؤية أبي هلال لأبيات كثير، وهي رؤية اعترف أن الرواية التي أخذت منها، والأفق الذي جالت فيه كانا مبعث نشاط لي وإعجاب مني خاصة وقد لمحت في أفقها أبعادًا ونقاطًا تُذكر ببعض الاتجاهات في النقد الأدبي الحديث. إن ما بدا لي من أن العسكري لا يحفل كثيرًا بالمحتوى، وإنما بلغة النص، وبالنص من حيث هو بناء، وأنه يرى الكتابة الإِبداعية نسقًا لا يهدف إلى مجرد التوصيل، حتى ليذكرنا هذا بما سماه (رولان بارت) بالكتابة اللازمة، يكان يغرى بأنه نعده (العسكري) سابقة بنيوية في النقد العربي القديم.
(5) وبعد هؤلاء نلتقي بالباقلاني أبي بكر محمد بن الطيب (ت403هـ) ونظرته إلى الأبيات لا تخرج عن أفق رؤية أسلافه ممن يفصلون بين اللفظ والمعنى ويقصرون فضيلة الأبيات على ألفاظها منتقصين شعريتها بسبب ضعف معناها. ولم ترد الأبيات عند الباقلاني تحت قسم من أقسام الشعر، ولا تحت فصل يعالج إحدى قضاياه كما فعل الذين تناولنا رؤيتهم، وإنما وردت الأبيات خلال حديثه عن قصيدة البحتري: (( أهلًا بذلكم الخيال المقبل ) )وتحديدًا وهو يشرح البيت الثاني من هذه القصيدة وهو: