فهرس الكتاب

الصفحة 360 من 19127

فلاحظ كلمة (( تحسين ) )وإيحاءها بما أشرت إليه. وأما الآخر من البعدين - وفي ما يضيء أيضًا البعد الأول - فهو أن أبا هلال العسكري لا يرى أن المهم في النص ما تقوله وإنما كيفية القول، ليس المهم أن توصل فكرًا وإنما المهم أن تقيم معادلًا فنيًا لهذا الفكر، إذ (( لو كان الأمر في المعاني - كما يقول العسكري - لطرحوا(يقصد المبدعين من كتاب وخطباء وشعراء) أكثر ذلك (يشير إلى ما ذكره من تأنق هؤلاء المبدعين وحرصهم على التجويد والترتيب) فربحوا كدًا كثيرًا، وأسقطوا عن أنفسهم تعبًا طويلًا )) [59] على أني لا أزال ألمح بُعدًا ثالثًا لتنظيرات أبي هلال ورؤيته لأبيات كثير في إطار السياق الذي تناولها فيه، وهذا البعد هو أنه ليس من الضروري أن تحتوي القصيدة على معنى محدد، أو بتعبير أدق، ليست المعاني (( المحددة ) )شرطًا ملازمًا للصفة الشعرية في الشعر إذ هو قائم بذاته وبالنسق البنائي فيه. والدليل - في رأيه - هو أبيات كُثير فهي لا تحمل كبير معنى (( وإنما هي: ولما قضينا الحج ومسحنا الأركان وشدت رحالنا على مهازل الإِبل، ولم ينتظر بعضنا بعضًا جعلنا نتحدث وتسير بنا الإِبل في بطون الأودية ) ) [60] ومع أن نثر الأبيات على هذا النحو الذي يظهر أنها لا تحمل معنى محددًا ذا شأن، يخدم البعد الثالث الذي ذكرنا آنفًا إلا أنه نثر سلب الأبيات طاقاتها الانفعالية والفنية، كما جردها من القيمة الجمالية اللغوية التي أشاد بها فطفا بها هذا النثر أو طفت به وانتحت نحو السذاجة والسماجة والفتور والركود. ولقد أغضب هذا النثر أحد النقاد المعاصرين [61] لأنه - بما فيه من جفاف - وَأدَ الأبيات وذبحها من الوريد إلى الوريد، ولأنه قتل فيها حس الحركة. ويبدو هذا من أبي هلال خطيئة نقدية لا تنسجم مع المسار النقدي الذي تتبعناه له ولا مع المكانة الفنية التي اجتهد في أن يضع فيها الأبيات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت