فهرس الكتاب

الصفحة 358 من 19127

وهنا نتذكر أبيات (( ولما قضينا... ) )ونتذكر أن أبا هلال انتقد معناها بأنه وسط مرة وبأنه ليس كبيرًا مرة أخرى. ترى لماذا تدنى مستوى معنى أبيات كُثير في نظر أبي هلال؟ هل نقول: لأنها لا تسجل شيئًا مما يتوجه نحوه بمعاني الشعر، ولأننا لا يمكن أن نعلق عليها بكلمة (( صَدَقَ ) )إذ هي لا تهدف إلى التقرير أو الإِخبار وإنما إلى التعبير ومبدعها لم يرد لها أن تحمل أفكارًا أو معاني بقدر ما تحمل عواطف وتجارب مرسومة بالكلمة ؟ أم نقول: إن ما أنقصه من معاني الأبيات أضافه إلى كفة ألفاظها ليزيد من تعزيز موقفه مع الألفاظ مقابل المعاني ؟ الواقع أنه هذا وذاك. أما ذاك فقد عرفناه، وأما هذا فإن أبا هلال عندما حدد موقفه بانتصاره الواضح للفظ لم يشأ أن يترك الأمر دون أن يورد ما يراه دليلًا يسند به هذا الموقف وفي هذا الإِطار أعطانا دليلين نرجئ أحدهما إلى حينه. أما الآخر فهو قوله: (( ودليل آخر(أي على أن مدار البلاغة على تحسين اللفظ. أن الكلام إذا كان لفظه حلوًا عذبًا، وسلسًا ومعناه وسطًا، دخل في جملة الجيد، وجرى مع الرابع النادر كقول الشاعر ) ) [56] ثم أورد الأبيات (( ولما قضينا ) )وعلق عليها بقوله: (( وليس تحت هذه الألفاظ كبير معنى، وهي رائقة معجبة ) ) [57] فإلى ماذا يهدف العسكري بهذا الدليل ؟ يهدف إلى أكثر من شيء: يريد - أولًا - أن يبرهن على أهمية اللفظ المحسَّن وأوَّليته مقابل المعنى بدليل هذه الأبيات النادرة الرائقة وما تملكه من روعة وسحر على تأخر في معناها، فلم يقف معناها الوسط دون إعجاب المتلقين بها وسيرورتها في لهواتهم. ويريد - ثانيًا - أن يشيد بها ويضعها من الشعر في جيده. هذان شيئان يظهران بوضوح في دليل أبي هلال، غير أن هناك بُعدين آخرين نلمحهما لمحًا في هذا الدليل. أما أحدهما فهو أن قيمة المعنى الثانوية عنده ليست قيمة وجوده في القصيدة أو في النص الإِبداعي شعرًا كان أم نثرًا وإنما هي قيمة ثانوية من حيث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت