فهرس الكتاب

الصفحة 353 من 19127

3-ثم نلتقي مع قدامة بن جعفر (ت337هـ) بوصفه واحدًا من النقاد الذين تعرضوا لأبيات كثير. وما هو واضح أن ابن جعفر يمتدح ألفاظ هذه الأبيات بالسماحة، وسهولة مخارج الحروف، ويأن عليها رونق الفصاحة مع الخلو من البشاعة. وما هو واضح أيضًا أنه لم يصنف هذه الأبيات تحت قسم: حلاوة اللفظ وضعف المعنى أو عدم فائدته كما فعل سابقاه (ابن قتيبة وابن طباطبا) وإنما ساقها تحت فصل (( نعت اللفظ ) )فقط وهذا قد حيرنا قليلًا، لكننا إذا قرأنا كلامه عن نعت اللفظ (( أن يكون سمحًا، سهل مخارج الحروف من مواضعها، عليه رونق الفصاحة، مع الخلو من البشاعة، مثل أشعار يؤخذ فيها ذلك وإن خلت من سائر النعوت للشعر ) ) [35] . بدت حيرتنا تتبدد فآخر كلامه يدل على أنه أراد أن كل ما مثل به في هذا الفصل ومنه أبيات كثير [36] يخلو من سائر نعوت الشعر ما عدا نعت اللفظ. قدامة إذَنْ جرد الأبيات من كل الخصائص إلا جمال اللفظ وحلاوة الوقع. وعلى هذا، فهو يلتقي في موقفه تجاه هذه الأبيات مع سلفيه ابن قتيبة وابن طباطبا، غير أننا نود مناقشة قدامة في تناقض يبدو لنا أنه وقع فيه حين طرح تنظيرًا يبدو أنه لا يتفق مع موقفه من أبيات كثير. يقول في تنظيره هذا:"ومما يجب تقدمته وتوطيده قبل ما أريد أن أتكلم فيه أن المعاني كلها معرضة للشاعر، وله أن يتكلم منها في ما أحب وآثر، من غير أن يُحظر عليه معنى يروم الكلام فيه، إذ كانت المعاني للشعر بمنزلة المادة الموضوعة، والشعر فيها كالصورة، كما يوجد في كل صناعة، من أنه لابد فيها من شيء موضوع يقبل تأثير الصور منها، مثل الخشب للنجارة، والفضة للصياغة، وعلى الشاعر إذا شرع في أي معنى - كان - من الرفعة والضعة، والرفتْ والنزاهة، والبذخ والقناعة، والمدح وغير ذلك من المعاني الحميدة أو الذميمة، أن يتوخى البلوغ من التجويد في ذلك إلى الغاية المطلوبة" [37] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت