فابن جعفر هنا يرى أن المعاني كلها معرضة للشاعر أو هو معرض لها. له الحرية كاملة في أن يتناول منها ما يحب دون أن يُحظر عليه منها شيء. وهنا نتساءل: ناقد يذهب في حرية الشاعر مع معانيه - سواء كانت رفيعة أو ضعيفة، حميدة أو ذميمة - إلى هذا الحد أحرى أن يقف من أبيات كُثيِّر موقفًا ينسجم مع مذهبه، لأن كثيرًا عبر عن معنى - مهما يكن نوع هذا المعنى على حسب مفهوم قدامة نفسه. فأجاد، أي أنه حقق الشرط الذي اشترطه قدامة في توصيل المعنى (( وعلى الشاعر إذا شرع في أي معنى.. أن يتوخى البلوغ من التجويد في ذلك إلى الغاية المطلوبة ) ) [38] من هذه الزاوية نرى أن قدامة وقع في شيء من التناقض لا يخرجه منه إلا كون هذه الأبيات تعبر عن مشاعر وتجارب نفسية أقرب إلى الذاتية وأن قدامة - مثل بعضهم - لا يعد هذه ضمن المعاني الشعرية، بقي أن نذكر أن موقف قدامة من أبيات كُثير كان أقل دقة وتحديدًا من موقف ابن قتيبة وابن طباطبا حين حكم عليها بأنها خلت من سائر النعوت للشعر باستثناء نعت اللفظ دون أن يوضح هذه النعوت التي خلت منها هذه الأبيات، ويحدد كيفية خلوها منها ولو بإضاءات نقدية بسيطة نستطيع في سناها تحسس الطريق إلى مناقشته والتحاور معه. إنَّ نقد قدامة لأبيات كُثير نقد تعميمي وغير منطقي رغم طغيان المنطق على رؤيته النقدية في كتابه (( نقد الشعر ) )ونحن لا نتفق معه في أن الأبيات تخلو من كل نعوت الشعر سوى اللفظ، ولكنها التعميمية في النقد، هذه الجناية التي كثيرًا ما عانى منها الشعر والشعراء..