فبينا أنا عنده، إذ قدم ابن عم له، من بني قريظة من المدينة، فابتاعني منه، فاحتملني إلى المدينة!! فوالله ما هو إلا أن رأيتها، فعرفتها بصفة صاحبي لها، فأقمت بها، وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأقام بمكة ما أقام، ولا أسمع له بذكر، مما أنا فيه من شغل الرق، ثم هاجر إلى المدينة، وبينا أنا في رأس نخلة لسيدي أعمل، وسيدي جالس تحتي، إذ أقبل ابن عم له، حتى وقف عليه، فقال: يا فلان، قاتل الله بني قيلة - وبنو قيلة هم الأنصار - إنهم لمجتمعون الآن بقباء على رجل قدم من مكة اليوم، يزعمون أنه نبي. قال سلمان: فلما سمعتها أخذتني الرعدة، حتى ظننت أني ساقط على سيدي، فنزلت عن النخلة، فجعلت أقول لابن عمه: ماذا تقول؟ ماذا تقول؟ فغضب سيدي، فلكمني لكمة شديدة، ثم قال: ما لك ولهذا؟ أقبل على عملك.
طوى الجزيرة حتى جاءني خبرٌ فزعتُ فيه بآمالي إلى الكذبِ
حَتَّى إِذَا لَمْ يَدَعْ لِي صِدْقُُه كَذِباً شَرِقْتُ بِالدَّمْعِ حَتَّى كَادَ يَشْرقُ بِي
قال سلمان: وقد كان عندي شيء جمعته، فلما أمسيت أخذته، ثم ذهبت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بقباء - فدخلت عليه، فقلت له إنه قد بلغني أنك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم، قال: فقربته إليه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: (( كلوا ) )وأمسك يده فلم يأكل. فقلت في نفسي: هذه واحدة.