فهرس الكتاب

الصفحة 351 من 19127

فابن طباطبا بهذا التعليق أو التفسير انتبه إلى حالات وأوضاع نفسية كانت وراء الأبيات منها حالة التوتر النفسي بسبب الاغتراب عن الوطن والحنين إليه ثم زوال هذا التوتر أو خفة حدته بفرحة العودة، ومنها الانتشاء الروحي بقضاء واجب ديني، ومنها الأنس بالرفاق وأخذه معهم بأطراف الحديث. والغريب أن ما انتبه إليه ابن طباطبا هو كله معانٍ حقها ألا توصف بالضعف إلا أن يكون قد نظر إليها على أنها تجارب نفسية شخصية وليس عليها للحكمة أو العرف أو القيم الأخلاقية بصمات واضحة كما سنذكر بعد قليل. مع هذا فمن حق ابن طباطبا أن نسجل له هذه الرؤية النقدية التي تدرك وظيفة الشعر في التعبير عن المشاعر ورسم المواقف النفسية، كما نسجل له - أيضًا - عبارة واضحة في هذا الاتجاه قالها أثناء حديثه عن (( الشعر الحسن اللفظ الواهي المعنى ) )وهي قوله:"ومن الأبيات الحسنة الألفاظ المستعذبة الرائقة سماعًا، الواهية تحصيلًا ومعنى، وإنما يستحسن منها اتفاق الحالات التي وضعت فيها وتذكر اللذات بمعانيها، والعبارة عما كان في الضمير منها" [31] .

فالعبارات الثلاث الأخيرة (( وإنما يستحسن الخ... ) )في سياقها لا تترك مجالًا للشك في أن ابن طباطبا يستجيد الأشعار التي تلامس وترًا ما في نفس المتلقي فيتفاعل معها لما يجده فيها من تعبير عن تجربة أو موقف أو إثارة لذكرى. وهاتان وظيفتان من وظائف الشعر، ومما يُفسَّر به تفاعل المتلقى مع الأثر الأدبي كما يقول شكري فيصل في معرض إعجابه بعبارة ابن طباطبا السابقة:"وهي - يقصد عبارة ابن طباطبا - عبارة نقدية دقيقة من أدق ما يقع عليه الإِنسان في النقد القديم في تفسير التفاعل مع الأثر الأدبي" [32] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت