ثم أورد كثيرًا من هذه الخلال مثل السخاء والشجاعة والحلم والحزم، والعزم، والوفاء، والأمانة، والقناعة. فواضح أن هذه قيم أخلاقية، وواضح أيضًا أنه يرمي إلى أن تكون هذه القيم مستودعًا أو ينبوعًا أصيلًا للمعاني الشعرية. هذا هو بعض ما يسعف به تنظير ابن طباطبا برهانًا على مفهومه للمعنى الشعري، فإذا التفتنا إلى التطبيق رأينا أن طبيعة الشواهد أو الأبيات التي ساقها تقف هي الأخرى برهانًا، وسنكتفي منها ببعض ما جاء تحت قسم (( الشعر الحسن اللفظ الواهي المعنى ) )وقسم (( الشعر الصحيح المعنى الرث الصياغة ) )فمن شواهد القسم الأول قول جميل [27] :
عشية قالت في العتاب قتلتني وقتلي بما قالت هناك تحاول
وقول جرير:
إن الذين غدوا بلبك غادروا وشلا بعينك لا يزال معينًا
غيضن من عبراتهن وقلن لي ماذا لقيت من الهوى ولقينا !؟
هذا إلى جانب أبيات (ولما قضينا من منى كل حاجة...) فأجواء هذه الشواهد ومساراتها النفسية، وطبيعتها - كما سبق القول - لا تجسد منها فكرة واعظة أو حكمة مرشدة أو قيمة أخلاقية قَر عليها العرف، لهذا سارع ابن طباطبا بالحكم عليها بضعف المعنى وإن كانت حسنة الألفاظ جميلة الصياغة.
ومن شواهد القسم الثاني قول أحدهم [28] :
نُراع إذا الجنائز قابلتنا ونسكن حين تمضي ذاهبات
كروعة ثلةٍ لمغار ذئب فلما غاب عادت راتعات
وقول الآخر:
وما المرء إلا كالشهاب وضوؤه يحور رمادًا بعد إذ هو ساطعُ
وما المال والأهلون إلا وديعة ولابد يومًا أن ترد الودائع
ثم اقرأ هذه الأبيات من شواهده أيضًا:
من يَلُم الدهر ألا فالدهر غير مُعتبهْ
أو يتعجب لصرو ف الدهر أو تقلبه
ومن يصاحب صاحبًا ينسب إلى مصطحبه
بزائنات رشده أو شائنات ريبه
وربما غرَّ صحيحًا جَرِبٌ بحربه
تعرف ما حال الفتى في لبسه ومركبه
وفي شمأزيزته عنك وفي توثَبه
عليك أو إصغائه إليك أو تحببه
والمرء قد يدركه يومًا خمول منصبه