فظاهر أن التعليقين ذوا اتجاه واحد بعبارتين مختلفتين. ومن هنا القول بأنه يُدخِل (( ولما قضينا... ) )تحت قسم (( الشعر الحسن اللفظ الواهي المعنى ) )، ولعل الدكتور محمد زغلول سلام بما ذهب إليه قد ظن أن ابن طباطبا - عندما قال: (( فأما قول القائل ) )ثم أورد أبيات (( ولما قضينا ) )وعلق عليها - أراد استثناء ما سيورده من حكمه السابق، لكن هذا لايبدو لنا استثناء، وإنما هو نقلة أراد منها توضيح غرض الأبيات ومعناها. مرة أخرى نعود إلى القول بأن ابن طباطبا لم يبتعد عن ابن قتيبة في رؤيته إلى الأبيات فقد فصل بين المعنى واللفظ، وفهم المعنى على نحو يتوخى به الحصول على شيء متجسد وملموس لمحتوى الشعر، ثم إنه تردد في توسيع دائرة المعنى الشعري لتشمل أكثر من الوعظية والأخلاقية والمعاني المشتركة المتداولة التي تشي بتجربة يسترشد بها سامعها. يقول في كتابه (عيار الشعر) :"فمن الأشعار أشعار مُحكمة متقنة أنيقة الألفاظ حكيمة المعاني" [24] .
ويقول أيضًا:"وللأشعار الحسنة على اختلافها مواقع لطيفة عند الفهم لا تحد كيفيتها... فهي تلائمه إذا وردت عليه - أعني الأشعار الحسنة للفهم - فيلتذها ويقبلها، ويرتشفها كارتشاف الصديان للبارد الزلال؛ لأن الحكمة غذاء الروح" [25] .
فنصه على الحكمة في هذين الاستشهادين يُظهر شيئًا مما يتوجه بالمعاني الشعرية نحوه، ثم إنه عقد فصلًا خاصًا عن (( المثل الأخلاقية عند العرب وبناء المدح والهجاء عليها ) )قال فيه:"وأما ما وجدته في أخلاقها وتمدحت به ومدحت به سواها، وذمت من كان على ضد حاله فيه فخلال مشهورة كثيرة" [26] .