إن المؤمن الحقَّ هو من يؤمن بالغيب، ولا يتكلَّف البحث فيه؛ لعلمه أنه من أسرار الله - تعالى - وأنه لن يدركه ما لم يطلعْه الله على شيء منه، ويجعلُ همّه ومهمته في العمل على تحقيق ما يرضي الله - تعالى - من الإيمان به، وإقامة دينه، والدعوة إليه. ولو نظرنا إلى طريقة العلماء الراسخين في العلم لما وجدناهم إلا على هذا المنهج السديد.
قارنوا مثلاً بين ما خلَّفه لنا علماؤنا من إرث في جوانب العقائد، وبين ما تركوه لنا في جوانب العبادات العملية؛ تجدوا أن ما كان في أمور العقائد لا يتجاوز العشر مما جاء في الفقه العملي، فما سبب ذلك؟ وهل يعني ذلك أنهم ما كانوا يهتمون بالعقائد؟! كلا، ليس الأمر كذلك، وإنما كانت كتبهم في العقائد أقلُّ حجمًا وكثافة من كتبهم في الفقه العملي؛ لأن ما جاء في العقائد غيب، أثبتوا منه ما ثبت في الكتاب والسنة، ولم يدخلوا في تفصيلات وجزئيات متكلفة لم يرد الجواب عنها لا في الكتاب ولا في السنة، ولم يكلفوا عقولهم اقتحام هذا الغيب، الذي حُجب عنهم بتفصيلاته وجزئياته، وعدوا بحث ذلك من أسباب الزيغ والضلال؛ ولذا كان تراثهم في العقائد قليلاً مقارنة بالفقه العملي؛ لاقتصارهم على ما جاءت به النصوص.
بينما لو نظرنا إلى نِتاج أسلافنا في الفقه العملي لوجدناه تراثًا ضخمًا، وما من جزئية فيه إلا وقد أَتَوْا عليها بالتفصيل؛ لحاجة المكلف إلى العلم بذلك؛ لأنه متعلق بعبادته، التي يطلب بها رضى الله - تعالى - ولإمكانية إعمال العقول في نصوصها بالاستنباط والقياس وما شابهه.
وكان من التعدي في الدعاء أن يسأل العبد ربه القصر الفلاني في الجنة، أو الشجرة الفلانية، أو النهر الفلاني، أو أوصافًا معيَّنة يطلبها في الجنة؛ لما في ذلك من التكلف في سؤال المغيبات؛ ولأنه إن دخل الجنة حاز قُصورها وأنهارها وأشجارها فلا يحتاج إلى تفصيل ذلك.