إن كثيرًا من المسلمين قد حادوا عن منهج أسلافهم؛ فقعدوا عن العمل، وصاروا يشتغلون بالغيبيات، محاولين كشف المستقبل المخبوءِ علمُه، إما بقراءة نبوءات أهل الكتاب، أو بالرؤى والمنامات، ولا سيما مع توارد الفتن في هذا الزمان، وانتقل هَمُّ الواحد منهم من العمل إلى التوقع، ومن الكسب إلى التخمين.
إننا نؤمن بأن الرؤى الصالحة مبشّراتٍ، وأنَّها جزء يسير من النبوة؛ ولكننا ما كلفنا بالبحث في الغيب، وتوقُّع ما سيحْصُل وما يَسْتَجِدُّ من أحداث، ومتى تكون هذه الأحداث، ولن يسألنا الله - تعالى - عن ذلك، وإنما سيسأَلُنا - تبارك وتعالى - عن عباداتنا، وعن دعوتنا، وماذا قدمنا في سبيل الله - تعالى -؟! فواجب علينا أن نعد للسؤال جوابًا، بالاشتغال بما يعنينا، والبعد عمَّا لم نكلف به؛ حتى ننال رضى الله تعالى.
ألا وإن من أعظم الفتن في زمن الفتن: اشتغال الناس بما لا ينفعهم، وانصرافهم عمَّا ينفعهم، وتركهم ما كلفوا به، وإسراعهم فيما لم يكلفوا به، وهذه فتن من نتائج الفتن الكبرى.
فاتقوا الله ربكم، واحذروا الفتن، وافقهوا سبل النجاة منها، بالعمل بما يرضي الله - تعالى - وترك القيل والقال في زمن كثر فيه الحديث، وقلَّ فيه العمل.
وصلوا وسلموا على نبينا محمد كما أمركم بذلك ربكم.
[1] أخرجه مسلم في الإيمان باب معنى قول الله - عزَّ وجلَّ: {وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النَّجم: 13] (177) .
[2] "مفتاح دار السعادة" (1/282) . انظر:"أضواء البيان"للشنقيطي (2/175 - 176) .
[3] انظر:"أضواء البيان" (1/176) .