الثاني عشر: أجَاز ابن قُدَامَة في المُغْنِي: أنْ يَدْفع الرَّجُل الدَّابَّة إلى مَنْ يَعْمل عليها بِجُزءٍ من الدَّخل المُتَوَلِّد منها ونَصُّ كلامِه:"فإنْ قيل فقد جَوَّزْتُم دَفْع الدَّابَّة إلى من يَعْمل عليها بنِصْفِ ربْحها. قلنا إنَّما جاز ثَمَّ تشبيهًا بالمُضَارَبَة. وفي مسألتِنَا لا يُمْكن ذلك؛ لأنَّ النَّماء الحاصل في الغنم لا يقِفُ حصوله على عمله فيها فلم يُمْكن إلحاقُه. وإن استأجَرَه على رعايتها مدَّةً مَعْلُومةً، بنصفها، أو جزءٍ معلومٍ منها، صحَّ؛ لأنّ العمل والأجر والمدَّة معلومٌ، فصحَّ، كما لو جَعَل الأجر دراهم، ويكون النَّماء الحاصل بينهما بحكم المِلْك؛ لأنَّه مَلَك الجزء المجْعُول له منها في الحال، فيكون له نماؤه، كما لو اشتراه" [69] .
ولو نظرنا لموقف ابن قُدَامة من هذا النَّوع -من العُقود مع عدم موافَقته لعَقْد الإجارة، أو المُضَاربة- وجدنا أنَّه رآه معاملةً جديدةً لم تُعْرَف من قبل، واحتاج النَّاس إليها في عصره فأَجازها تخريجًا على عقد المُسَاقاة؛ وذلك لمصلحة النَّاس حيث لا يوجد فيها غَرَرٌ ولا جَهَالةٌ، ولا أكلٌ لأمْوال النَّاس بالباطل. ولو خرَّجنا كلام ابن قدامة هذا على مسألة ما يُسمَّى بـ (الإيجار المنتهي بالتَّمليك أو الإيجار مع الوَعْد بالبيع) ، لَوَجدنا السَّيَّارة أو العمارة المعقود عليها مثلاً بمثابة الدَّابَّة التي يُعْمل عليها بجزءٍ ممَّا ينتج، أو يتولَّد منها، وهي الأقساط التي تدفع إلى المالك أو المؤجِر للسِّلْعة؛ لأنَّ العمل هو (الشَّراء أو التَّأجير) والأجر هو (الثَّمَن) والمدَّة التي هي (الأجل) كلُّها مَعْلومةٌ، فلا جَهَالة حينئذٍ.