والليل ينهض في الشباب كأنه ليل يصيح بجانبيه نهار
ومثل قول النابغة:
كِليني لِهَمٍّ يا أميمة ناصب وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكب
بل إن استشهاده ببيت النابغة هذا ونعته بالأحسن والأغرب يكاد يشير إلى أن الصورة المحشوة بالانفعالات النفسية، أي تداخل الواقع النفسي واتحاده مع الواقع الخارجي - هي من أجَل المعاني الشعرية عنده. وعلى هذا هل نعود فنقول إن مقياس جودة المعنى الشعري عند ابن قتيبة ليس أن يكون الشعر مفيدًا فحسب وإنما أن يكون مفيدًا بما فيه من حكمة أو معلومة أو معنى أخلاقي، أو مؤثرًا بما فيه من صور فنية أو تصوير للمشاعر ؟ ولكن أبيات كُثير تنهض على التصوير الفني والتصوير الشعوري معًا ولم تعجب ابن قتيبة معنويًا، فلماذا ؟ والجواب هو - مرة أخرى - أن أبا محمد يطلب الفكرة والمعنى الواضحين المتجسدين سواء بالتقرير أو بالصورة. في بيت الفرزدق تبرز فكرة الكبر واضحة ومجسدة، وفي بيت النابغة تبرز فكرة الهَمِّ المؤرق. أما أبيات كثير فإنها لا توضح أو تجسد فكرة أو معنى محددين وإنما هي إيحائية مؤثرة ولكن نفسيًا. ولهذا خلت في رأي ابن قتيبة من أي معنى مفيد.
(2) وابن طباطبا (ت322هـ) له - أيضًا - رؤية نقدية تجاه أبيات كُثير هذه، غير أن هذه الرؤية - وإن كان فيها شيء من التميز - لا تخرج عن إطار رؤية ابن قتيبة. ذلك لأن ابن طباطبا قسم الشعر كما قسمه ابن قتيبة، ثم صنف هذه الأبيات في قسم يقابل القسم الذي صنفها ابن قتيبة فيه، وهو (( الشعر الحسن اللفظ الواهي المعنى ) )يقول ابن طباطبا تحت هذا القسم:"ومن الأبيات الحسنة الألفاظ المستعذبة الرائقة سماعًا، الواهية تحصيلًا ومعنى، وإنما يستحسن منها اتفاق الحالات التي وضعت فيها، وتذكُّر اللذات بمعانيها، والعبارة عما كان في الضمير منها، وحكايات ما جرى من حقائقها دون نسج الشعر وجودته، وإحكام رصفه وإتقان معناه".