قلت من قبل؛ إن تعمد تحويل النص الشعري إلى معان أو أفكار فقط يعني تفريغه من شعريته، وإذا فرغ الشعر من الشعر خلت القلوب والأنفس والأخيلة من أي استمتاع به. وابن قتيبة قد أفسد على نفسه اكتمال المتعة بهذه الأبيات مرتين: مرة حين ألحّ على طلب فكرة أو معنى متجسد وراءها، ومرة أخرى حين سطح معانيها تمامًا بهذا اللون من الشرح أو النثر الذي لا رواء فيه ولا ضياء، أو (( بهذه العبارات المنطفئة ) )كما يقول وليد قصاب [18] . ولو كان (( كُثير ) )يريد أن يقول كما نثر ابن قتيبة تمامًا فما حاجته إلى أن يقوله شعرًا؟ كُثيِّر أراد أن يُعبر، أراد أن يقول شعرًا لا كلامًا، أراد أن يوصل مشاعر لا أفكارًا وأراد أن يمتع سواء صحب هذه المتعة منفعة حكمية أم لا، ثم إنه في المتعة الفنية فائدة ومنفعة بشكل ما. وما دمنا في مجال الحديث عن فائدة الشعر ومعناه فإننا نعتقد أن ابن عبد ربه في تمثيله للشعر عديم المعنى والفائدة يقول القائل [19] :
الليل ليل، والنهار نهار والأرض فيها الماء والأشجار
كان موفقًا في محاولته أكثر مما فعل ابن قتيبة، ومع هذا فإننا نتحفظ تجاه حكم ابن عبد ربه لأنه ربما كان هذا البيت منزوعًا من أبيات أخرى تضفي عليه بسياقها معنى ذا فائدة.
وقبل أن أصل بالحديث عن رؤية ابن قتيبة تجاه (( ولما قضينا ) )إلى نهايته أحب أن أسجل أن رؤيته إلى الأبيات تبدو مختلفة مع موقفين له أحدهما نظري والآخر تطبيقي. أما النظري فهو ما ذكره في مقدمة (الشعر والشعراء) من أن من الشعر ما يبعث البخيل على السماح، والجبان على اللقاء، والدنيَّ على السمو، وما نفهمه من هذا هو أن للشعر قيمة أو وظيفة أخرى غير الفائدة وهي التأثير مالم يكن ابن قتيبة أراد من قوله هذا أن الشعر يحفز إلى القيم والمعاني الأخلاقية بوجه خاص مثل الكرم والشجاعة والنبل ولم يرد التأثير بمفهومه الشامل. أما التطبيقي فهو تضمين شواهده الشعرية أبياتًا تقوم على الصورة مثل قول الفرزدق: