فقد علق بقوله: (( رأيت علماءنا يستجيدون معناه، ولست أرى ألفاظه جيادًا ولا مبينة لمعناه، لأنه أراد: أنت في قدرتك على كخطاطيف عقف يُمد بها، وأنا كدلو تمد بتلك الخطاطيف ) ) [17] .
فهو يرى المعنى غامضًا عجزتْ ألفاظه عن أن توضح معناه، ولهذا فهي - عنده - ليست جيادًا.
اتضح الآن مفهوم المعنى الشعري عند ابن قتيبة، وكيف كان يتوجه به، غير أن هذا المفهوم وهذا التوجه ضيَّقا من دائرة المعنى الشعري؛ فقد حُصر في مجالات لا تنسجم - مُوَصَّلةً بطريقة ابن قتيبة - وطريقة في الخطاب متميزة. لقد أخرج هذا التضييق وهذا الحصر من مفهوم المعنى الشعري ما يمكن أن نسميه بالتعبيرية والتصويرية أي التعبير الموحي عن الشاعر، والتصوير - وإن كان خاطفًا رامزًا - للحس والوجدان بما يمكن أن يُحس ويُتذوق فقط لا أن يُمعنى (بضم الياء) ولا نقصد بهذه العبارة (( لا أن يُمعنى ) )استحالة شرح النص واستخراج معناه، وإنما نقصد أن الإِصرار على تضمنه أو تضمينه معاني أو أفكارًا لا مشاعر أو إحساسات يعني تفريغه من شعريته، لذلك كله بدت نظرة ابن قتيبة إلى الأبيات نظرة ضيقة لا تتسع للأبعاد النفسية في النص، ولا لاستشرافه واستحلاب تعبيراته الإِيحائية، وهي توجهات تثري النقد وتعين الناقد، لكن ابن قتيبة لايبدو مقتنعًا بهذه التوجيهات أو مدركًا لها لا في النقد ولا في الشعر، ولهذا كان نفيه للأبيات من الدائرة التي رسمها للمعنى المفيد. ونقول المفيد لأن أبا محمد لا ينكر أن هذه الأبيات تحمل معنى، ولكنه معنى لا فائدة (( ملموسة ) )فيه. ويبدو أن ابن قتيبة هو ممن يرون الشعر للفائدة والمتعة معًا، ولا يقبل لهاتين أن تنفصلا أو تتخلف إحداهما عن الأخرى. لقد امتدح أبو محمد حلاوة ألفاظ هذه الأبيات وحسنها وحسن صياغتها ولكن هل استمتع بها؟ ربما، ولكن ما نرجحه هو أن عدم إدراكه لمعنى مفيد ونافع فيها قد قلل من استمتاعه بما كان أشاد به فيها من ألفاظ حلوة وصياغة حسنة. ولقد