فمقياس جودة المعنى الشعري - إذًا - عنده. هو أن يكون الشعر مفيدًا أي أن يحمل معلومة ما في التاريخ أو الأنساب أو الأخلاق أو النجوم والأرصاد الجوية ونحوه، غير أننا نضيف شيئًا آخر يبدو أنه يدخل في إطار مفهوم ابن قتيبة للمعنى وهو تطلبه الوضوح في المعنى الشعري بدليل ما انتقاه من أمثلة وشواهد شعرية تدل على أنه يريد أن يضع يده على معنى واضح يتأثر ويسترشد ويتعظ به ويستفيد من حكميَّته. لابد من وضوح الفكرة في النص الشعري إلى درجة التجسد في حكمة تجريبية أو في معنى ذي منحى خلقي أو اجتماعي وإلا خلا معناه من الفائدة عند ابن قتيبة مثل شواهد أوردها في أحد أقسام الشعر التي قسمه إليها وهو ما (( حسن لفظه وحلا، فإذا أنت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى ) )مثل أبيات (( ولما قضينا ) )نفسها، فهي أبيات إيحائية أكثر منها تقريرية تسجل معنى مفيدًا. ومثل قول المعلوط [15] :
إن الذين غدو بلبك غادروا وشلًا بعينك ما يزال معينًا
غَيَّضن من عبراتهن وقُلْنَ لي ماذا لقيتَ من الهوى ولقينا ؟!
فالشطر الأخير من البيت الثاني وبتساؤله الواسع الفضفاض يُخفي الكثير من المعاني، ولكن ابن قتيبة يريدها ليس بينه وبينها حجاب. ثم مثل قول جرير [16] :
يا أخت ناجية السلام عليكم قبل الرحيل وقبل يوم العُدَّلِ
لو كنت أعلم أنّ آخر عهدكم يوم الرحيل فعلت مالم أفعل
فقوله (( فعلت مالم أفعل ) )تعبير موحٍ يتحرش بالمتلقي كما هو محرض على التأمل ومحرك للفكر باحتمالاته الدلالية المتعددة، ولكن ابن قتيبة - كما قلنا - ينحو إلى الوضوح بكل ألوانه كأنما بيِّنة ظاهرة يُصدر في ضوئها حكمه، ومما يعزز ما ذهبتُ إليه تعليق له على أحد الأبيات الشواهد، وهو قول النابغة:
خطاطيف حجنٌ في حبال متينة تَمُدّ بها أيدٍ إليك نوازع