بتضييقٍ في أمورهم فلم يستطيعوا دفع هذا الضِّيق إلاَّ بالحِيلِ فلم تزدْهم الحيلُ إلا بلاءً، كما جرى لأصحاب السَّبت من اليَهود، وإمَّا مُبالغةٌ في التَّشديد لما اعتقدوه من تحريم الشَّارع [56] .
وما تمسُّ الحاجة إليه من فروع هذه القاعدة - (الأصل في العُقود الصِّحَّةُ والجوازُ) - ومن مسائل بيع الثَّمر قبل بُدُوِّ صلاحه، وما قد عمَّت به البلوى في كثيرٍ من بلاد الإسلام الأصل فيه الجوازُ [57] . ويقول ابن القيِّم: الأصل في العُقود والشُّروط الصِّحَّةُ إلاَّ ما أبطله الشَّارع أو نَهَى عنه. وهذا القول هو الصَّحيح [58] . وكلُّ ما لم يبيِّنِ اللهُ ورسولُهُ منَ العُقود والشُّروط فلا يجوز تَحْريمُها؛ فإنَّ الله -سبحانه- قد فصَّل لنا ما حرَّم علينا فما كان من هذه الأشياء حرامًا، فلابدَّ أن يكون تَحْريمه مُفَصَّلاً. وكما أنَّه لا يجوز إباحة ما حرَّمه الله؛ فكذلك لا يجوز تحريم ما عفا عنه ولم يحرِّمْه [59] .
ولكلِّ هذه الأقوال من الإمامين ابن تيميَّة، وتلميذه ابن القيِّم يظهر لي شمولُها، ودخول عقد (الإيجار المنتهي بالتَّمليك) في دائرة العفو والجواز والحلِّ، وتؤيِّده مُجْمل القواعد الفِقهيَّة الآتية:
من القواعد الفقهيَّة التي لها عَلاقةٌ بهذا العقد.
-الأصْل في العُقود بناؤها على قول أربابها [60] .
-المعروف بين التُّجَّار؛ كالمَشروط بينهم [61] .
-الإجارة؛ كالبيع إلاَّ في موضعين: وجوب التَّوقيت (الأجَل) ، والانفساخ بعد القَبْض بتَلَف [62] .
-استعمال النَّاس حُجَّة يجب العمل به [63] .
-العِبْرة في العُقود للمقاصد والمعاني، لا الألفاظ والمباني [64] .
-الحاجة تَنْزل منزلة الضَّرورة عامَّةً كانت أو خاصَّةً [65] .
-المواطأَة العُرفيَّة تَنْزِل منزلة المواطأة اللفْظيَّة من كلِّ وجهٍ [66] .
ولولا خشيةُ الإطالة لبيَّنت انطباق هذه القواعد على هذا العقد، وهي ظاهرةٌ عند القارئ اللَّبيب.