ولا يجب على النَّاس التزامُ نَوْعٍ مُعيَّنٍ من الاصطلاحات في المعاملات، ولا يَحْرُم عليهم التَّعاقد بغير ما يَتَعاقد به غيرُهم، إذا كان ما تعاقَدوا به دالاًّ على مَقْصودهم [51] . ومعلومٌ أنَّ البيع، والإيجار، والهبة ونحوها لم يَحُدِّ الشَّارع لها حدًّا لا في كتاب الله، ولا في سُنَّة رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -، ولا نُقِل عن أحدٍ من الصَّحابة والتَّابعين أنَّه عيَّنَ للعُقود صفةً معيَّنةَ الألفاظ، أو غيرها، أو قال ما يدلُّ على ذلك من أنَّها لا تنْعقد إلاَّ بالصِّيغة الخاصَّة، وهذا القول يخالف الإجماع القديم وهو من البدع [52] . وتصرُّفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادةٌ يَصْلُح بها دينهم. وعاداتٌ يحتاجون إليها في دنياهم. وباستقراء أصول الشَّريعة نعلم أنَّ العبادات التي أوجبها الله، أو أحبَّها لا يَثْبُت الأمر بها إلاَّ بالشَّرع. والعادات -فهي ما اعتاده النَّاس في دنياهم ممَّا يحتاجون إليه- الأصل فيها العفو فلا يُحْظَر منها إلا ما حرَّمه الله ورسوله [53] . والحاجة الشَّديدة يندفع بها يسير الغَرَر. والشَّريعة جميعها مبنيَّةٌ على أنَّ المفسدة المُقْتَضية للتَّحريم، إذا عارضها حاجةٌ راجحةٌ أُبِيحَ المُحرَّم، فكيف إذا كانت المفْسَدة مُنتفِيَةً؟ [54] . وكلُّ ما احتاج النَّاس إليه في معاشهم، ولم يكنْ سببه مَعْصية - وهي تَرْك واجبٍ أو فعل مُحَرَّمٍ - لم يُحرَّم عليهم؛ لأنَّهم في معنى المضطر الذي ليس بباغٍ ولا عادٍ .. والمنفق للمال في المعاصي حتى لزمتْه الدُّيون يُؤمَر بالتَّوبة، ويُقْضَى عنه دَينُه من الزَّكاة. وكلُّ من توسَّع في تحريم ما يعتقِده غَررًا؛ فإنَّه لابدَّ أن يضطرَّ إلى إجازة ما حرَّمه الله. فإمَّا أن يَخْرج عن مذْهبه الذي يقلِّده في هذه المسألة، وإمَّا أن يحتال [55] . ويقول أيضًا: ولقد تأمَّلت أغلب ما أوقع النَّاس في الحِيل فوجدته أحد شيئين: إمَّا ذنوبٌ جُوزُوا عليها