فهرس الكتاب

الصفحة 340 من 19127

لكني لا أعتقد أن التسليم بضرورة حمل الشعر معنىً ما يعني التسليم بأهمية المعنى مقابل اللفظ؛ فالشعر لابد أن يحمل معنى في إطار الدائرة الواسعة والشمولية التي ترسمها للمعنى الشعري سواء كان هذا المعنى جيدًا أم مقاربًا، واضحًا أم غامضًا، وإلا عُد كلامًا فارغًا بله أن يكون شعرًا. وما يبدو هو أن قضية اللفظ والمعنى واختلافهم حولها لم تنطلق من هذا المفهوم، وإنما من تساؤل عن مدار بلاغة القول، وعن سر ما يعجبهم ويسحرهم ويطربهم منه، أهو الألفاظ ؟ أم المعاني ؟ فمن هذا التساؤل عن سر جمال المبدَع شعرًا كان أم نثرًا انطلقوا مفكرين مختلفين فبعض يرى أنه في الألفاظ وجمالها وحلاوتها، وبعض يرى أنه في المعنى بشرفه وصحته وإصابته إلى أن جاء عبدالقاهر الجرجاني فحسم القضية بنظرية النظم التي جعلت من عنصري المعنى واللفظ كلًا متكاملًا ومتلاحمًا هو الذي جعل بين اللفظ والمعنى علاقة قوية وارتباطًا وثيقًا لخلق العمل الفني الجميل.

أما أخرى القضيتين التي أراني مضطرًا للوقوف عندها فهي المعنى نفسه: هويته، ومفهومه عند ابن قتيبة صحيح أن الرجل لم ينته - بشكل واضح ومحدد - إلى مفهوم للمعنى الشعري سواء بالتحليل أو التنظير، ولكنا نستطيع أن نستبين ما يدور حوله هذا المفهوم من خلال طبيعة الأبيات التي استشهد بها على أقسام الشعر التي قسمه إليها وخاصة قسم (( ما حسن لفظه وجاد معناه ) )وقسم (( ما جاد معناه وقصرت ألفاظه ) )فللقسم الأول استشهد بهذه الأبيات [12] .

في كفه خيزران ريحه عبق من كف أروع في عرنينه شمم

يُغضِي حياء ويُغضَى من مهابته فما يكلم إلا حين يبتسم

ثم علق بقوله: (( لم يُقَل في الهيبة شي أحسن منه ) ).

وقول أوس بن حجر:

أيتها النفس أجملي جزعًا إن الذي تحذرين قد وقعا

ثم يعلق عليه بقوله: (( لم يبتدئ أحد مرثية بأحسن من هذا ) ).

وقول أبي ذؤيب:

والنفس راغبة إذا رغبتها وإذا تُرد إلى قليل تقنع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت