فهرس الكتاب

الصفحة 338 من 19127

وهنا نقف مضطرين عند قضيتين نقديتين لا مفر من الوقوف عندهما والتحاور مع ابن قتيبة فيهما: أولاهما قضية اللفظ والمعنى، أو الشكل والمضمون - حسب المصطلح النقدي الحديث - بوصفهما عنصرين متكاملين ومتلاحمين في النص لا ينبغي الفصل بينهما عند تحليله ودراسته ونقده اللهم إلا في بعض الدراسات النقدية التي تهدف إلى تعرُّف ما بين هذين العنصرين من صلة أو ترابط تعبيريي وشيج، أو توضيح خصائص أحدهما، أما خلاف هذا فإن قيمة النص الجمالية تقضي بأن تتداخل عناصره وألا تتزايل لحساب قيمة أخرى ولو فكرية، وإلا انطمست شعريته وامحت ملامح جماله مثله مثل العينين الجميلتين تخسران جمالهما إذا نظر إليهما منفردة إحداهما عن الأخرى. فحتى لا يتشرذم النص وتتفتت وحدته التي نفضل أن نراه عليها جسدًا واحدًا وكلًا متكاملًا ينبغي أن نتعامل مع اللفظ والمعنى على أنهما ذلك الكل الذي لا يتجزأ وغير أننا من هذا المنطلق أو المرصد نرى ابن قتيبة انزلق إلى ما ينبغي الحذر من الوقوع فيه وهو الفصل بين الشكل والمضمون، ليس بسبب هذا القسم من الشعر الذي تناول فيه (( ولما قضينا من منى كل حاجة... ) )وإنما بسبب التقسيم نفسه؛ فقد أدار هذا التقسيم حول محوري المعنى واللفظ رداءة وجودة، أو رداءة بأحدهما وجودة في الآخر. ومن الواضح أن هذا التقسيم تقريري صارم يقدم اللفظ والمعنى وحدهما - بل ومفصولين أحدهما عن الآخر - معيارًا نقديًا أو حد للشعر، ولو قبلنا لكانت جناية منا على النص والشعر معًا. نعم، المعنى واللفظ بوصفهما عنصرين متلاحمين، واحد من المعايير النقدية ولكنهما ليسا الوحيدين.

ولم يبد من ابن قتيبة تمييز لواحد من هذين المحورين أو انتصار لأحدهما على الآخر. ولم يَسْتَيِنْ سواء من خلال تقسيمه الشعرَ أو في ثنايا مقدمته لكتابه (الشعر والشعراء) ميله، أهو إلى جانب المعنى أم إلى جانب اللفظ ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت