(1) تظهر أول إشارة نقدية لهذه الأبيات - حسب علمي - عند ابن قتيبة (ت276) في الجزء الأول من كتابه (( الشعر والشعراء ) )والأبيات وردت شاهدًا على أحد أضرب الشعر الأربعة التي اهتدى إليها بعد تدبر منه - كما يقول - لهذا الفن: (( تدبرت الشعر فوجدته أربعة أضرب ) ) [3] وهذا النوع الذي استشهد عليه بهذه الأبيات (ولما قضينا) هو ما (( حسن لفظه وحلا، فإذا أنت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى ) ) [4] . وبعد أن يورد الأبيات يعلق عليها أو ينقدها بقوله: (( هذه الألفاظ كما ترى، أحسن شيء مخارج ومطالع ومقاطع، وإن نظرت إلى ما تحتها من المعنى وجدته: ولما قطعنا أيام منى، واستلمنا الأركان، وعالينا إبلنا الأنضاء، ومضى الناس، لا ينتظر الغادي الرائح، ابتدأنا في الحديث، وسارت المطيُّ في الأبطح ) ) [5] .
فابن قتيبة يقر لهذه الأبيات بحسن اللفظ وحلاوته، وبأن هذا الحسن شمل حتى مخارج حروفها وحتى مطالعها ومقاطعها [6] . بتعبير آخر، يرى ابن قتيبة أن هذه الأبيات بلغت ما يمكن أن نعبر عنه بالجمال المطلق للصياغة اللفظية، غير أن ذلك - في رأيه - لم يكتمل لسبب واحد هو أنها لا تشي له بأي معنى أو بمعنى واضح مفيد على الأقل.