فهرس الكتاب

الصفحة 3276 من 19127

لهذا فإن إنكار المحتسب - المجتهد - في مسائل الخلاف أمر يحتاج معه إلى علم وذكاء وفطنة ومعرفة حال الفعل وحال الفاعل، والزمان، والمكان، ومدى انتشار الفعل وندرته، والطريقة المناسبة لإنكاره، والطريق الأنسب لتقبل الناس للإنكار. فهو بهذا أشبه بالطبيب يتلمس العلة ويتخذ من الوسائل اللازمة لمعرفتها ثم يصف الدواء اللازم لها، ولا ينبغي لأي محتسب - غير مجتهد - أن يقرر ما يشاء عند مخالفة الناس لما يراه، ولهم فيما يفعلون حجة، والحكم قد يخفى عليه، والحق تبارك وتعالى لم يرض بحَكم واحد بين الزوجين، إذا خيف الشقاق بينهما فإنه لا يعلم أيهما الظالم وليس بينهما بينة، بل أمر بحكمين، غير متهمين، حكم من أهل الرجل وحكم من أهل المرأة، كما قال تعالى:"وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا" [223] .

ففي هذه الآية لما اشتبه الحق لم يجعل الله الحكم لواحد وهو في قضية معينة بين زوجين، ولو حكم حاكم واحد بين زوجين في أمر ظاهر لم ينفذ حكمه باتفاق المسلمين، فكيف بأمور الدين والعبادات التي يشترك فيها جميع المسلمين، وقد اشتبهت على كثير من الناس.

وولي الأمر إن لم يعرف ما جاء بالكتاب والسنة ولم يمكنه أن يعلم، ترك المسلمين على ما هم عليه، كل يعبد الله حسب اجتهاده، وليس له أن يلزم أحداً بقبول قول غيره وإن كان حاكماً [224] .

وعمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للرجل: (لو كنت أردك إلى كتاب الله أو إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لفعلت، ولكني أردك إلى رأيي والرأي مشترك فلم ينقض ما قال علي وزيد) [225] .

أما الإنكار على الأفعال التي تؤول إلى مفاسد أو مآثم فقد فعله صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك ما يلي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت