قال أبو داود:"قلت لأحمد: الأوزاعي هو أتبع من مالك؟ قال: لا تقلد دينك أحداً من هؤلاء، ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فخذ به، ثم التابعي بعد، الرجل فيه مُخير" [60] .
وعن الحكم بن عتيبة قال:"ليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم".
وروى عن مجاهد مثله [61] .
يقول ابن تيمية:"وليس لأحد أن يخرج عن شيء مما شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الشرع الذي يجب على ولاة الأمر إلزام الناس به، ويجب على المجاهدين الجهاد عليه، ويجب على كل واحد اتباعه ونصره" [62] .
(ولا يجب على عالم أن يُقلد عالماً من علماء المسلمين أو أن يقلد حاكماً لا في قليل ولا في كثير إذا كان قد عرف ما أمر الله به ورسوله، بل لا يجب على آحاد العامة تقليد الحاكم في شيء، بل له أن يستفتي من يجوز له استفتاؤه وإن لم يكن حاكماً، ومتى ترك العالم ما عَلِمَه من كتاب الله وسُنة رسوله واتبع حكم الحاكم المخالف لحكم الله ورسوله كان مرتداً كافراً يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة) [63] .
يقول ابن القيم:"... وعلى هذا فله أن يستفتي من شاء من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم، ولا يجب عليه ولا على المفتي أن يتقيد بأحد من الأئمة الأربعة بإجماع الأمة، كما لا يجب على العالم أن يتقيد بحديث أهل بلده، أو غيره من البلاد، بل إذا صح الحديث وجب عليه العمل به حجازياً كان، أو عراقياً، أو شامياً، أو مصرياً، أو يمنياً" [64] .
أما انتقال الإنسان من قول إلى قول لأجل ما تبين له من الحق فهو محمود فيه، بخلاف إصراره على قول لا حجة معه عليه وترك القول الذي وضحت حجته [65] .
هؤلاء هم أعلام الأمة بعد علماء القرن الأول، رأوا الحق فيما ظهر لهم فاتبعوه وقالوا به، ولاحتمال كون الحق مع غيرهم لم يلزموا الناس بأخذ أقوالهم، ولم يجعلوا قولهم حجة، بل الحجة في اتباع الدليل الصحيح الموجب لترك أقوالهم إن خالفته.