وهم بهذا لم يختلفوا ليخالف بعضهم بعضاً، أو يخطِّئ بعضهم بعضاً، إنما اختلفوا في سبيل الوصول إلى الحق وتحقيق مقاصد الشرع بما يتوصلون إليه من فهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وخاصة في مواطن الاحتمال ومسائل الاجتهاد والاستدلال [26] .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"وليعلم أنه ليس لأحد من الأئمة المقبولين عند الأمة - قبولاً عاماً - يتعمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من سنته، دقيق أو جليل، فإنهم متفقون اتفاقاً يقيناً على وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم" [27] .
الفصل الثالث: أسباب الخلاف وبعض الأمثلة لذلك:
أوضحنا آنفاً ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية بأن الأئمة المقبولين عند الأمة لا يمكن لهم مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من سننه، ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه فلابد له من عُذر في تركه.
وذكر رحمه الله أن الأعذار ثلاثة أصناف:
أحدها: عدم اعتقاده أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله.
الثاني: عدم اعتقاده إيراد تلك المسألة بذلك القول.
الثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ.
وفرّع رحمه الله هذه الأسباب إلى أسباب عدة:
السبب الأول: أن لا يكون الحديث قد بلغه، ومن لم يبلغه الحديث لم يكلف أن يكون عالماً بموجبه، بل اكتفى بظاهر آية أو حديث آخر أو بموجب قياس، أو موجب استصحاب.
ومن الأمثلة على ذلك خفاء الحكم على أبي بكر في ميراث الجدة [28] ، وعلى عمر رضي الله عنه في سُنة الاستئذان [29] ، وخفاء الحكم إذا نزل الطاعون ببلد [30] .