قال الله تعالى:"لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ" [11] فما يوجد في الأسواق من الطعام والثياب قد يكون في نفس الأمر مغصوباً، فإذا لم يعلم الإنسان بذلك كان كله حلالاً لا إثم عليه فيه بحال، بخلاف ما إذا علم، فخفاء العلم بما يوجب الشدة قد يكون رحمة، كما أن خفاء العلم بما يوجب الرخصة قد يكون عقوبة، كما أن رفع الشك قد يكون رحمة وقد يكون عقوبة، والرخصة رحمة، وقد يكون مكروه النفس أنفع كما في الجهاد. قال تعالى:"وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌ لَكُمْ" [12] ) [13] .
ومن ثم فإن في استنباط الحكم الخفي وفي استظهاره فوائد عظيمة منها: أن صلاحية أحكام الشريعة لكل زمان ومكان، وشمول أحكامها لما يستجد من متطلبات المسائل الحادثة حق، وأن المستنبط للأحكام هم حملة هذا العلم من العلماء وفق ضوابط معينة حددت لهم في عصور الإسلام المفضلة.
الباب الأول في حقيقة الخلاف
وفيه خمسة فصول:
الفصل الأول: في معنى الخلاف:
الخلاف: المضادة، وقد خالفه مخالفةً وخلافاً، وفي المثل: إنما أنت خلاف الضبع الراكب، أي تخالف خلاف الضبع؛ لأن الضبع إذا رأت الراكب هربت منه.
ويقال: خلف فلان بعقبى إذا فارقه على أمر فصنع شيئاً آخر [14] .
وتخالف القوم واختلفوا إذا ذهب كل واحد إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر وهو ضد الاتفاق [15] .
(والاختلاف والمخالفة: أن يأخذ كل واحد طريقاً غير طريق الآخر في حاله أو قوله.
والخلاف أعم من الضد؛ لأن كل ضدين مختلفان وليس كل مختلفين ضدين.
ولما كان الاختلاف بين الناس في القول قد يقتضي التنازع استعير ذلك للمنازعة والمجادلة، قال تعالى:"فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ" [16] ) [17] .
قال المناوي:"الاختلاف: افتعال من الخلف وهو ما يقع من افتراق بعد اجتماع في أمر من الأمور" [18] .
الفصل الثاني: في الفرق بين الخلاف والمخالفة: