والتوسعة ليست على المجتهد عند استنباطه للحكم ؛ لأنه مكلف باتباع الحق لا التيسير على نفسه.
وما ورد من النهي عن الاختلاف بقوله تعالى:"وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ" [2] ، وقوله تعالى:"وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا" [3] .
فالمفسرون ذكروا أن الخلاف المنهي عنه هو الاختلاف على الرسل، فلو خالف إمام رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن قوله مردود عليه.
قال الذهبي:"وبين الأئمة اختلاف كبير في الفروع وبعض الأصول، وللقليل منهم غلطات وزلقات، ومفردات منكرة، وإنما أُمرنا باتباع أكثرهم صواباً، ونجزم بأن غرضهم ليس إلا اتباع الكتاب والسنة، وكل ما خالفوا فيه لقياس أو تأويل. وإذا رأيت فقيهاً خالف حديثاً أو رد حديثاً أو حرَّف معناه فلا تبادر لتغليطه، فقد قال علي لمن قال له: أتظن أن طلحة والزبير كانا على باطل؟ يا هذا: إنه ملبوس عليك، إن الحق لا يُعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله."
وما زال الاختلاف بين الأئمة واقعاً في الفروع وبعض الأصول مع اتفاق الكل على تعظيم البارئ جل جلاله، وأنه ليس كمثله شيء، وأن ما شرعه رسوله حق، وأن كتابهم واحد، ونبيهم واحد، وقبلتهم واحدة، وإنما وضعت المناظرة لكشف الحق، وإفادة العالم الأذكى لمن دونه وتنبيه الأغفل الأضعف" [4] ."
عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" [5] .
يقول الشافعي:"وقد حكم الحاكمان في أمر واحد برد وقبول، وهذا اختلاف ولكن كل قد فعل ما عليه" [6] .
قال القرطبي:"وأما حكم مسائل الاجتهاد فإن الاختلاف فيها بسبب استخراج الفرائض ودقائق معاني الشرع، وما زال الصحابة يختلفون في أحكام الحوادث وهم مع ذلك متآلفون" [7] .