الفصل الخامس: في موقف المحتسب من حمل الناس على وجه من أوجه الخلاف وفيه مطلبان:
المطلب الأول: في حمل المحتسب الناس على وجه ضعيف وإلزام الناس به.
المطلب الثاني: في موقف المحتسب من حمل الناس على وجه مشتهر من أوجه الخلاف.
الفصل السادس: في النتائج المترتبة على مخالفة المنهج الصحيح في الإنكار.
مقدمة في أن الخلاف أمر طبيعي في حياة المسلمين وبيان الحكمة من خفاء الحكم:
الخلاف بين العلماء ظاهرة طبيعية اقتضتها دلالة الأدلة الشرعية؛ لأن أكثر النصوص ظنية في دلالتها، أو في ثبوت بعضها، أو في عدم اعتبار دلالة البعض الآخر منها، أو لخفاء الدليل على بعض العلماء دون البعض الآخر.
والخلاف فيه مجال للإبداع في معرفة كيفية استنباط الأحكام الشرعية، وفيه تدريب على مواجهة ما يجدّ من مشكلات الحياة المختلفة، أو ما يتغير من أحكام بُنِيَت على عُرف أو مصلحة شرعية، فكلما تغير العُرف أو انتفت المصلحة، أو جدَّت مصلحة شرعية أخرى مغايرة للمصلحة الأولى استلزم تغيير الحكم تبعاً لذلك.
والعلماء يتفاوتون بتقدير تلك المصالح، ومدى إدراكهم للحاجة المقتضية لذلك مما لا يخالف نصاً أو إجماعاً أو قاعدة شرعية.
والاختلاف الناشئ عن الاستنباط الشرعي جاءت نتائجه رحمة بالأمة وتوسعة عليها، وإلا لما أقره صلى الله عليه وسلم للجيش الذي ذهب لبني قريظة، والخلاف وجد في الأحكام الشرعية. مع أن الحق تبارك وتعالى قد وعد بحفظ هذا الدين ولا مخلف لوعده سبحانه.
قال المناوي:"اختلافهم توسعة على الناس بجعل المذاهب كشرائع متعددة، بعث النبي صلى الله عليه وسلم بكلها لئلا تضيق بهم الأمور؛ من إضافة الحق الذي فرضه الله تعالى على المجتهدين دون غيرهم، ولم يكلفوا ما لا طاقة لهم به توسعة في شريعتهم السمحة، فاختلاف المذاهب نعمة كبيرة، وفضيلة جسيمة، خُصَّتْ بها هذه الأمة" [1] .