ومهما كثر الاختلاف حولها ، وقال الناس فيها ما قالوا ؛ فإن مما لا خلاف فيه أن من تورع عنها استبرأ لدينه ، ولم يخاطر بماله.ومن تاجر فيها بفتوى عالم معتبر فلا ينكر عليه في ذلك، ولكن عليه الحذر من الفتنة بها ؛ إذ هي باب من فتنة المال عظيم ، ومجال من مجالات الكسب والخسارة سريع ، يصبح صاحبها على حال ، ويمسي على حال أخرى ، فإن ربح فرح وشكر ، وإن خسر سخط وضجر ، لا يرحم سوقها في ضعيف ضعفه ، ولا يمهله حتى ينظر في أمره ، من دخلها فماله ليس له حتى يخرجه منها رابحا أو خاسرا ، فإن خرج رابحا لا يلبث فرحه إلا قليلا فترتفع مرة أخرى فيحزن لفوات الربح الجديد ، وإن خسر تربص لعلها تعود كما كانت ، فتزداد خسارة إلى خسارتها حتى لا يجد من يشتريها منه ، فلا تمتع بأرباحها لما ربحت ، ولا سلم من خسارتها إذ خسرت ، كأن الواحد في سوقها يمد حبلا مطاطا يزداد طوله مع استمراره في شدِّه ، وهو يعلم أنه منقطع لا محالة لكنه لا يدري متى ينقطع ، فلا سلم له حبله ، ولا توقف هو عن مَدِّه!! وليس للواحد فيها أمد يعلم أنه ينتهي إليه ، بل تغريه وتغريه حتى يتملكه الطمع ، ويستبد به الجشع ، فيصبح رقيقها ، تملكه ولو كان هو مالكها ، ومن أَسَرَته فلا هنئ بنوم، ولا التذَّ بطعام ، فهو منشغل البال ، دائم التفكير ، مضيع الحقوق، وكم من صلاة ضيعت لأجلها! وكم من حقوق للأهل والعيال أهدرت في سبيلها! وفي طريقها الطويل تهلك أنفس قبل أن تبلغ غايتها منها ، ومن كانت هذه حاله معها فسلامته منها خير لنفسه ودينه وأهله.
ومن أبى إلا اقتحامها فعليه أن يستعين بالله تعالى عليها ، ويستخيره فيها ، ويتحرى أقربها إلى الحلال ، وأكثرها سلامة من الإثم ، ولو كان ربحها أقل من غيرها ، فقليل الحلال خير من كثير الحرام.